الإثنين 28 سبتمبر 2026 01:12 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب: بين مصر التي نعرفها ومصر التي تتشكل الآن

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

في بهو أحد المكاتب الخدمية لفت انتباهي مشهد يختصر المسافة الزمنية بين عصرين في كادر واحد رجل ستيني يمسك بيده ملفا كرتونيا منتفخا بالأوراق والدمغات وصور البطاقات يقلب في وجوه الموظفين باحثا عن معرفة قديمة أو وسيط يذلل له مشقة الروتين وعلى بعد خطوات منه يقف شاب في مقتبل العمر يسند ظهره إلى الجدار يمسك بهاتفه المحمول وخلال دقيقة واحدة كان قد سدد رسومه وحصل على رقمه الرقمي وأنهى معاملته وهو يضع سماعات الأذنين بلا التفات...لم تكن تلك مجرد مفارقة عابرة بين جيلين بل كانت تجسيدا حيا لدولة تقف بحيرة وقوة على عتبة تحول تاريخي صامت تحول يجري تحت الجلد بين مصر التي ورثنا تفاصيلها وعاداتها وطمأنينتها البطيئة ومصر أخرى تتشكل الآن بملامح حادة، سريعة، ولا تنتظر المترددين إن أخطر ما في لحظات التحول الكبرى ألا يشعر بها الناس إلا بعد أن تكتمل وتفرض شروطها. نحن لا نعيش اليوم مجرد طفرة في إنشاء الجسور أو تشييد المدن الذكية في قلب الصحراء أو مد خطوط القطارات الكهربائية عبر الأقاليم؛ هذا كله يمثل الهيكل العظمي للدولة لكن الروح التي تسري في هذا الجسد هي التي تشهد المخاض الحقيقي. الروح هنا هي طريقة التفكير ونمط إدارة اليوميات وتوقعات المواطن البسيط الذي اعتاد طوال عقود أن يقيس كفاءة حياته بقدرته على التعايش مع التعطيل وتسكين الأزمات.
لقد قامت فلسفة المجتمع المصري لعقود طويلة على التطبيع مع البطء. كانت المعاملة التي تنتهي في شهر تعتبر إنجازا والمسافة التي تقطع في ساعات أمرا مقدورا عليه وشبكة العلاقات الشخصية هي صمام الأمان الوحيد لتجاوز تعقيدات البيروقراطية الراسخة منذ عهد محمد علي. وفجأة وتحت وطأة التحول الرقمي ومقتضيات العصر دخل عنصر السرعة والكفاءة المجردة كمعيار وحيد للتقييم لكن المشكلة التي تواجهنا اليوم ليست في سرعة رصف الطرق أو ميكنة الإدارات بل في تلك الفجوة النفسية والثقافية العميقة بين تحديث الحجر وتجديد الفكر. ما الفائدة أن ننشئ أحدث المراكز التكنولوجية لخدمة المواطنين إذا كان الموظف خلف الشاشة لا يزال يحمل في داخله عقلية فوت علينا بكرة أو كان المواطن ذاته يشك في صدق الإشعار الرقمي حتى يرى ختما مبللا على ورقة؟ إن الحداثة ليست تطبيقا يُحمل على الهواتف ولا واجهات زجاجية تُقام في المدن الجديدة الحداثة في جوهرها تعاقد أخلاقي واجتماعي جديد يُعلي من قيمة الوقت، ويحترم التخصص، ويعتبر الكفاءة هي المعيار الوحيد للصعود، لا القرب والصلات العائلية.
انظر إلى قرى الريف المصري وأحيائه الشعبية اليوم لم تعد تلك البيئات مغلقة على هدوئها التاريخي ووتيرتها المتوارثة. الشاب في أقصى قرى الدلتا أو صعيد مصر لم يعد أسير واقعه الجغرافي المحدود عينه مفتوحة على كبريات عواصم العالم عبر شاشة لا يتجاوز حجمها كف اليد يرى كيف يُدار التعليم وكيف تبنى المهن الحرة وكيف تتنافس العقول على البرمجة واقتصاد المعرفة. هذا الجيل لا يقارن وضعه بما كان عليه أجداده في السبعينيات بل يقارن فرصه بما يملكه أقرانه في الهند أو أوروبا أو الخليج...هذا الوعي المستجد يولد طاقة هائلة للتمرد على الركود لكنه في الوقت ذاته يضع المؤسسات الوطنية أمام تحدٍ وجودي لا يحتمل التأجيل كيف نستوعب هذا التدفق من الطموح الجارف قبل أن يتحول إلى خيبة أمل أو هجرة معنوية؟ إن مصر القديمة التي نحبها بحرارتها الإنسانية وتضامن حاراتها وجدعنة أبنائها في الشدائد لا يجب أن تُدهس تحت عجلات التحديث البارد والأعمى. أعظم ما ميز الشخصية المصرية عبر آلاف السنين هو تلك القدرة الفذة على هضم الغريب وتطويعه دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية. نحن لا نريد مجتمعا ميكانيكيا بلا قلب تسحقه المادية وتفترسه الفردية المطلقة باسم العصرنة لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع الاستمرار في الاحتماء بالنوستالجيا وذكريات الزمن الجميل للهروب من استحقاقات الحاضر لقد استنفدنا طاقة التبرير والواقع الجديد يفرض قواعده بصرامة لا ترحم فالعالم من حولنا يمر بإعادة تشكيل كبرى لسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة، والذكاء الاصطناعي، وأسواق العمل. وفي هذا المعترك لن تنجو إلا المجتمعات التي تملك الشجاعة لتفكيك عاداتها المعيقة: التسويف، وإهدار الطاقات في المعارك الهامشية والرضا بأنصاف الحلول والاتكال على الماضي المجيد بديلا عن بناء الحاضر إن المعادلة الحقيقية التي يجب أن تشغل العقل المصري الجمعي في هذه المرحلة لا تكمن في المفاضلة الساذجة بين الحفاظ على هويتنا أو ركوب قطار الحداثة بل في قدرتنا على التناغم بينهما. نحن بحاجة إلى منظومة تعليم تعيد الاعتبار لقيمة السؤال والبحث العلمي بدلا من الحفظ والتلقين وإلى جهاز إداري يتطهر من عقلية الجباية والتعطيل ليصبح شريكا حقيقيا في الإنتاج وإلى ثقافة شعبية تستعيد تقديس الإتقان الذي بنى الأهرامات وخلد حضارة الأجداد مصر التي تتشكل الآن ليست مجرد خرائط عمرانية تعاد كتابتها في المكاتب الاستشارية بل هي امتحان عسير لإرادتنا في البقاء والنهوض. إنها فرصة تاريخية نادرة لنفض غبار الترهل عن كاهل دولة عريقة شريطة أن ندرك أن بناء الإنسان هو المبتدأ والمنتهى وأن كل صرح خرساني سيبقى بلا روح ما لم يسكنه مواطن يشعر بكرامته ويؤمن بعدالة الفرص ويرى في مرآة الغد ملامح وطن يستحق حلمه وتضحياته.

شحاته زكريا بين مصر التي نعرفها ومصر التي تتشكل الٱن الجارديان المصرية
⇧