الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 01:13 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. روحية عاطف محي الدين تكتب: لا تعاقب السلوك قبل أن تفهمه.. قراءة نفسية في عالم الطفل

د. روحية عاطف محي الدين
د. روحية عاطف محي الدين

حين يصرخ الطفل في وجه أمه، أو يرفض أداء واجبه المدرسي، أو يضرب زميله في الفصل، يأتي رد فعل الكبار في الغالب سريعًا وحاسمًا: عقاب، أو حرمان، أو توبيخ أمام الآخرين. وتبدو هذه الاستجابة منطقية في ظاهرها، فالسلوك خاطئ والعقاب وسيلة لتصحيحه. غير أن علم نفس النمو يدعونا إلى التوقف لحظة قبل أن نمضي في هذا الطريق، وأن نطرح سؤالًا أعمق: ماذا يحاول هذا الطفل أن يقوله لنا بسلوكه؟ 

إن السلوك، في جوهره، ليس هو المشكلة بقدر ما هو الرسالة. والطفل الذي لم يمتلك بعد مفردات كافية للتعبير عن خوفه أو غضبه أو حاجته إلى الأمان، يلجأ إلى الجسد والصوت والحركة ليقول ما تعجز عنه الكلمات. ومن هنا جاءت هذه القراءة النفسية، لا لتبرير الخطأ، وإنما لفهمه، إيمانًا بأن الفهم هو الخطوة الأولى في كل تربية ناجحة. 

السلوك لغة الطفل الأولى 

يمر الطفل في سنواته الأولى بمرحلة تتسع فيها مشاعره أسرع مما تنمو لغته. فهو يشعر بالغيرة حين يولد له أخ جديد، ويشعر بالقلق حين يغيب عنه من يحب، ويشعر بالإحباط حين يعجز عن إتقان مهمة ما، لكنه لا يملك أن يقول: «أنا قلق» أو «أنا أشعر بأنني مهمَّش». فيخرج هذا الشعور في صورة نوبة غضب، أو انسحاب، أو عناد، أو عدوان. وحين نتعامل مع الصورة الخارجية وحدها، نكون كمن يعالج أعراض الحمى دون أن يسأل عن سببها. 

ما وراء قمة الجبل 

يشبه السلوك قمة جبل جليدي؛ ما يظهر منه قليل، وما يختفي تحت السطح أكبر بكثير. تحت السلوك الظاهر تكمن حاجات لم تُلبَّ، ومشاعر لم تُسمَّ، وخبرات لم تُفهم. فقد يكون الطفل الذي يبدو متمردًا طفلًا يبحث عن الانتباه لأنه لا يجده إلا في لحظات الخطأ، وقد يكون الطفل الهادئ المنسحب طفلًا خائفًا تعلّم أن التعبير عن نفسه محفوف بالمخاطر. 

لماذا لا يصنع العقاب تغييرًا حقيقيًا؟ 

العقاب قد يوقف السلوك مؤقتًا، لكنه نادرًا ما يعالج جذره. فالطفل المعاقَب يتعلم في الغالب كيف يتفادى الوقوع في قبضة الكبار، لا كيف يراجع دوافعه أو يكتسب مهارة بديلة. وقد يتحول الخطأ إلى سر، ويصبح الصدق مخاطرة لا يُقدم عليها. ومع تكرار العقاب القاسي أو غير المفهوم، تهتز علاقة الطفل بمن يرعاه، وهي العلاقة التي يقوم عليها شعوره بالأمان وقدرته على طلب المساعدة حين يحتاج إليها. 

ثم إن الطفل الذي يُعاقَب على مشاعره ولا يُساعَد على فهمها، يكبر وهو يظن أن مشاعره عيب ينبغي إخفاؤه، وأن الغضب أو الخوف أو الحزن أمور مخجلة لا يجوز الاعتراف بها. 

الدماغ الانفعالي أولًا 

يشير علماء الأعصاب النمائي إلى أن الجزء المسؤول عن التفكير والتخطيط وضبط الاندفاع في دماغ الطفل، وهو الفص الجبهي، يتأخر نضجه كثيرًا، بينما تعمل مراكز الانفعال مبكرًا وبقوة. ومعنى ذلك أن الطفل في لحظة الغضب الشديد لا يكون قادرًا على الإصغاء إلى المحاضرة أو الاستجابة للمنطق. فمطالبته حينها بأن «يفكر فيما فعل» أشبه بمطالبة شخص يغرق بأن يتأمل في أسلوب السباحة. الطفل في هذه اللحظة يحتاج أولًا إلى من يهدّئه، ثم يأتي دور التوجيه. 

أسباب شائعة خلف السلوك الصعب 

وقبل أن نحكم على سلوك الطفل، يحسن أن نسأل أنفسنا عن الأسباب المحتملة، ومن أكثرها شيوعًا: 

الحاجة إلى الانتباه والتقدير، حين يشعر الطفل بأن حضوره لا يُلاحَظ إلا عند الخطأ. 

الإرهاق الجسدي أو الجوع أو قلة النوم، فهي تُضعف قدرة الطفل على ضبط انفعالاته. 

التغيرات الكبرى في حياته، كانتقال الأسرة، أو قدوم مولود جديد، أو الالتحاق بالمدرسة، أو التوتر داخل البيت. 

صعوبات لم تُكتشف بعد، كتأخر اللغة، أو ضعف الانتباه، أو القلق، أو صعوبات التعلم. 

غياب المهارة، فالطفل أحيانًا لا يعرف الطريقة الصحيحة للتعبير عن غضبه أو لطلب ما يريد. 

تقليد النماذج المحيطة به، فالطفل يتعلم من سلوك الكبار أكثر مما يتعلم من كلامهم. 

من العقاب إلى الفهم.. خطوات عملية 

اهدأ أولًا: انفعال الكبير يشعل انفعال الصغير، وهدوءك هو نقطة الانطلاق في أي موقف صعب. 

سمِّ الشعور: قل له مثلًا: «أرى أنك غاضب لأن اللعبة أُخذت منك». فتسمية الشعور تخفف حدته، وتمنح الطفل المفردات التي يحتاج إليها. 

ضع الحدود بوضوح: الفهم لا يعني التساهل. يمكنك أن تقول: «أفهم غضبك، لكن الضرب ممنوع». 

علّمه البديل: دربه على التعبير بالكلمات، أو الرسم، أو طلب المساعدة، أو أخذ استراحة قصيرة حتى يهدأ. 

أصلح بدل أن تعاقب: أن يعتذر الطفل ويُصلح ما أفسده يعلّمه المسؤولية، أما الإذلال فلا يورث إلا الشعور بالعار. 

عُد إلى الحوار لاحقًا: بعد زوال الانفعال، تحدثا معًا عمّا جرى، وعمّا يمكن فعله في المرة القادمة. 

دور الأسرة والمدرسة 

لا يقع العبء على الأسرة وحدها؛ فالمعلمة في الروضة أو المدرسة تلاحظ من الطفل ما لا يلاحظه الأهل، والعكس صحيح. وحين يتبادل الطرفان الملاحظات بروح التعاون لا الاتهام، تتضح الصورة ويتحسن التدخل. وينبغي أن تكون بيئة التعلم مساحة آمنة تشجع الطفل على التعبير، وأن تُدار قواعد الصف بمنطق التعليم لا بمنطق التخويف. 

وإذا استمر السلوك رغم المحاولات، أو اشتد حتى أثّر في نمو الطفل وعلاقاته وتحصيله، فإن استشارة مختص نفسي ليست دليلًا على تقصير في التربية، بل هي حرص عليها. 

خلاصة القول 

إن الطفل الذي نراه اليوم يخطئ هو طفل يتعلم، وأخطاؤه فرص لنعرفه أكثر ونعلّمه أكثر. فغاية التربية ليست طفلًا مطيعًا خوفًا، بل إنسانًا يفهم نفسه، ويضبط انفعالاته، ويحترم الآخرين عن قناعة. وحين نُنصت إلى ما وراء السلوك قبل أن نصدر الحكم، فإننا لا نصلح تصرفًا عابرًا فحسب، بل نبني علاقة ثقة تحمي الطفل طوال حياته. فلا تعاقب السلوك قبل أن تفهمه. 

د. روحية عاطف محي الدين لا تعاقب السلوك قبل أن تفهمه.. قراءة نفسية في عالم الطفل  الجارديان المصريه
⇧