الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 01:17 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعي يكتب: هل اقتربت نهاية أبي أحمد أم أن دوائر النفوذ الخارجي ستنقذه مجدداً؟

الكاتب الكبير محمد الشافعى
الكاتب الكبير محمد الشافعى

تشهد إثيوبيا منخفضاً سياسياً وأمنياً غير مسبوق، يعيد إلى الأذهان سيناريوهات التفكك والصراع الإثني الذي طالما لطخ تاريخ القرن الإفريقي. ومع تصاعد الأزمات الداخلية المستحكمة وتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع رقعة المواجهات المسلحة، يبرز التساؤل المصيري حول مآلات حكم رئيس الوزراء أبي أحمد، وسط تقاطعات معقدة بين المصالح الإقليمية والدولية التي طالما وفرت له شبكة أمان استراتيجية.

**أولاً: أزمات الداخل.. هل بدأت العد التنازلي لنظام أبي أحمد؟

لم يعد خافياً أن النظام الإثيوبي الحالي يواجه مأزقاً وجودياً، تتشابك فيه خيوط الاقتصاد المنهار مع الغضب الشعبي والعسكري:

• تآكل الشرعية الداخلية: تحولت الوعود الإصلاحية الكبرى التي أطلقها أبي أحمد عند تسلمه السلطة إلى حروب أهلية طاحنة، بدأت في إقليم تيغراي، ولم تنتهِ في أمهرة وعفر وأوروميا، ما أسقط سردية "القائد الموحد".

• الانهيار الاقتصادي الحاد: تعاني إثيوبيا من تضخم مفرط، وشح شديد في النقد الأجنبي، وتراجع قدرة الدولة على دفع رواتب الموظفين في بعض الأقاليم، فضلاً عن الديون الخارجية الثقيلة التي تقيد حركة القرار السيادي.

• تصدع المؤسسة العسكرية: أدى الزج بالجيش الإثيوبي في صراعات عبثية داخلية إلى استنزاف طاقاته، وتنامي الشكوك والانقسامات العرقية داخل المؤسسة العسكرية ذاتها.

** ثانياً: المصالح الخارجية.. بين حسابات الإنقاذ و"انتهاء الصلاحية"

يثير بقاء أبي أحمد حتى الآن تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأدوار الوظيفية التي تلعبها القوى الكبرى والإقليمية في المنطقة:

أدوات الحرب بالوكالة: كثيراً ما تُطرح تساؤلات قاسية حول ما إذا كان بعض القادة الأفارقة الذين ينخرطون في أجندات تخريبية واجهوية يعملون عن "ضلل سياسي" أو خيانة لمصالح شعوبهم وأمن قارتهم، حيث تُستخدم إثيوبيا تاريخياً وجغرافياً كبوابة نفوذ استراتيجية في القرن الإفريقي.

• سيناريو الإنقاذ المؤقت: أن القوى الدولية والإقليمية التي استفادت من صعود أبي أحمد قد تحاول إطالة عمر نظامه – ولو شكلياً – لمنع انهيار الدولة الإثيوبية بالكامل، خشية أن تتحول إلى "صومال كبرى" تفوق قدرة السيطرة الدولية وتفتح الباب أمام فوضى عارمة تهدد طرق التجارة العالمية وباب المندب.

• سيناريو رفع الغطاء  " النهاية الدولية " : في المقابل،أرى  أن دور أبي أحمد في هندسة التوتر الإقليمي – لا سيما تعكير صفو العلاقات مع مصر، واستخدام ملف مياه النيل كورقة ضغط ومساومة سياسية – قد استنفد أغراضه الوظيفية. فالقوى الكبرى قد تنفض يدها متى رأت أن كلفة استمراره باتت أعلى بكثير من مكاسب بقائه، خصوصاً مع فشله في تحقيق الاستقرار المستدام المأمول لمصالحهم.

** ثالثاً: تصدير الأزمات إلى دول الجوار.. استراتيجية الهروب إلى الأمام

لم يجد النظام الإثيوبي مفراً من محاولة تصدير أزماته الداخلية المتراكمة إلى محيطه الإقليمي عبر سياسات عدائية ومغامرات غير محسوبة:

• ملف سد النهضة والمياه: الاعتماد على لغة التهديد والمماطلة في مفاوضات المياه مع مصر والسودان لم يكن سوى محاولة لصناعة "عدو خارجي وهمي" لتوحيد الجبهة الداخلية المتصدعة خلف القيادة.

• التوترات الجيوسياسية: إن إثارة النزاعات البحرية أو التدخل في شؤون الجوار لا يعكسان قوة استراتيجية، بل يعبران عن "مأزق وجودي" يحاول من خلاله النظام الهروب إلى الأمام وشراء الوقت على حساب أمن واستقرار المنطقة بأكملها.

وفى النهاية  .. إن ما يجري في إثيوبيا اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو مخاض عسير قد يفضي إما إلى تفكك النظام الحالي تحت وطأة التناقضات الداخلية وسقوط الأدوار الوظيفية المرسومة له، وإما إلى إعادة تدوير مظلمة تزيد من معاناة الشعب الإثيوبي وشعوب الجوار. غير أن الثابت الاستراتيجي هو أن سياسات المواجهة وتصدير الأزمات لا يمكن أن تبني وطناً، وأن الشعوب الأفريقية حتماً ستتجاوز مرحلة الوصاية وأدوات الحرب بالوكالة نحو فضاء أرحب من التعاون والتكامل الحقيقي.

محمد الشافعي هل اقتربت نهاية أبي أحمد أم أن دوائر النفوذ الخارجي ستنقذه مجدداً؟ مقالات محمد الشافعى الجارديان المصرية
⇧