الأحد 11 أكتوبر 2026 11:04 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الإعلامى محمد جراح يكتب: إذاعة الشباب والرياضة وسياسة الانفتاح وأثرها على المجتمع

الجارديان المصرية

الانفتاح كما جاء في تعريف السيد "ممدوح سالم" وزير الداخلية الأسبق، وأحد أبرز رؤساء الوزارة في عصر "السادات" هو "سياسة اقتصادية تستهدف في النهاية تنمية المجتمع عن طريق إطلاق طاقاته الإنتاجية"؛ وقال وقتها من ضمن ما قاله: "إنه ليس خروجاً على الخط الاشتراكي، وليس دعوة إلى الفوضى أو التناقضات؛ ولكنه إعادة صياغة للتنظيم الاقتصادي في البلاد".    
   وقد بدا الرئيس "أنور السادات" في عجلة من أمره فبمجرد توليه الحكم خلفا للرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" أواخر عام 1970م؛ حاول التغلب على المشكلة الاقتصادية الخانقة بأبعادها السياسية والاجتماعية؛ تلك المشكلة التي ضربت البلاد في فترة الستينيات بصفة عامة؛ وتفاقمت بشكل كبير خلال السنوات التي تلت حرب أو نكسة يونية من عام 1967م بصفة خاصة، والمتابع للشأن المصري يلاحظ أن "السادات" كانت عينه على الغرب منذ بداية صعوده؛ وربما من قبل أن يأتي إلى سدة الحكم؛ ومن ثم وفي محاولة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتشجيعها على الاستثمار في مصر؛ فقد أصدر عام 1971م أول قانون خاص بالاستثمارات الأجنبية بالمزايا التي تضمنها القانون لجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية؛ وقد تبع ذلك القانون حوالي عشرين قانوناً آخر حتى عام 1977م؛ وكلها كانت عبارة عن قوانين تختص بأمور الانفتاح على العالم؛ وتيسير تدفق رؤوس الأموال إلى مصر؛ بما تضمنته تلك القوانين من بنود تصب جميعها في صالح ذلك المستثمر الأجنبي بما احتوت عليه من تسهيلات؛ وإعفاءات ضريبية؛ وتعهدات بالحماية؛ وعدم المصادرة أو الحجز والتجميد؛ وفرض الحراسة.
   وقد تدفقت رؤوس الأموال بالفعل؛ ولكنها انحصرت في ثلاثة مجالات فقط هي السياحة؛ وصناعات البلاستيك؛ ومشروعات الإسكان؛ ولم تتجه ناحية أبداً ناحية الصناعات الثقيلة أو الاستراتيجية التي تشكل عصب البناء والتنمية في المجتمع. 
    كانت تلك مقدمات إذ بدأ الانفتاح رسمياً بصدور القانون رقم 43 لسنة 1974م المعروف باسم "قانون استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة"؛ وترتب عليه ظهور الجادون في الاستثمار؛ مثلما ترتب عليه كذلك ظهور النصابين والمحتالين. وفي تلك الفترة وفي محاولة من "السادات" لتكوين ظهير شعبي يوافقه على منهجه أطلق الضوء الأخضر لوسائل إعلامه لمهاجمة فترة الحكم التي سبقته؛ والتي أطلقوا عليها فترة الانغلاق؛ وبدأت الآلة الإعلامية المدجنة في مهاجمة كل مشروع أقيم في مصر ابتداء من مشروع "السد العالي"، وانتهاء بأصغر مشروع أقامته الدولة في فترة حكم الرئيس "عبد الناصر"؛ ولم يقف الأمر عند حد تلك المهاجمة والحرب الإعلامية؛ بل امتدت لتأخذ أشكالاً أخرى حيث تمت محاصرة القطاع العام بشركاته ومصانعه؛ بل ووصل الأمر إلى حد التخريب المتعمد لمؤسساته والسعي الحثيث نحو تصفية وبيع شركاته الكثيرة. 
    ظن الرئيس الخير فيما يرى وما يبصره قادماً؛ ومن ثم أراد الاستفادة قدر الامكان من أولئك المستثمرين في بناء اقتصاد جديد وقوي؛ أو على الأقل إعادة تأهيله والنهوض به من عثراته بعد التخلص من كل ما يعيقه، إلا أن تلك السياسة افتقرت الى التخطيط المناسب؛ فكانت لها آثار سلبية على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ على أنه تجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد المصري اتصف خلال الفترة من عام 1965 م وحتى عام 1975م بالركود لأسباب منها:     
وقف المعونة الأمريكية؛ وانخفاض معدلات المعونات الغربية والمؤسسات الدولية بصفة عامة؛ وانخفاض إيرادات السياحة.
   وكانت السياسة حاضرة في قلة تدفق تلك المعونات؛ نظراً لأنها كانت بمثابة معونات مشروطة؛ ومن ثم كان رئيس مصر وقتها يرفضها؛ لما تمثله من مساس بالقرار والسيادة المصرية، ويكفي للتدليل على الانخفاض الحاد في قيمة تلك المعونات أن نعلم أن مجموع تلك المعونات قد بلغ خلال الفترة من عام 1961م وحتى عام 1967 م أكثر من 200 مليون دولار؛ لكنها انخفضت خلال الفترة من عام 1967م وحتى عام 1969م إلى 16 مليوناً فقط؛ وترتيباً على ذلك انخفضت موارد مصر من العملات الأجنبية؛ في مقابل زيادة حجم الانفاق العسكري لإعادة بناء الجيش؛ وخوض معارك الاستنزاف؛ والاستعداد لحرب تحرير الأرض المغتصبة؛ كما ساهمت عوامل أخرى في انخفاض الموارد؛ ومنها على سبيل المثال: فقدان مصر لأبار بترولها في سيناء؛ وقيام إسرائيل بتخريب مصانع تكرير البترول في السويس؛ كما شكل موضوع إغلاق قناة السويس تحدياً آخر؛ وفقدت مصر على إثر ذلك نحو 164 مليون دولار كانت تمثل العائد السنوي لرسوم عبور القناة في الفترة التي سبقت حرب الأيام الستة.
    بدا السادات متفائلاً على الرغم من صعوبة الأوضاع، فإذا كان قد مهد بقراره الأول في عام 1971 م إلا أن المردود كان ضعيفاً؛ مما جعله يصدر قراره الجديد والأشمل عام 1974م بكل ما اشتمل عليه من مزايا تصب كلها في صالح المستثمر؛ وبالطبع كانت أجواء النصر وانتباه الغرب من العوامل التي شجعت "السادات" وهو ممتلئ بالثقة بأن الغرب سيكون إلى جواره؛ وهو يقوم بمحو كل أثر للتجربة الاقتصادية الاشتراكية التي حكمت البلاد منذ ثورة يوليه من عام 1952م وحتى عام 1974م؛ والتحول كلية إلى اقتصاد السوق؛ أي التحول إلى التجربة الاقتصادية الرأسمالية بما كانت تمثله من بريق أخاذ.
   وقد ترتب على ذلك خلل اقتصادي عصف بالمجتمع؛ وزاد الفقراء فقراً على فقرهم؛ وتحول المجتمع كله إلى الترف الاستهلاكي؛ مما أدى إلى قصور في الجهاز الإداري للدولة؛ وعدم قدرته على مواجهة المستجدات؛ فنتج عن ذلك التفاوت الاجتماعي المشار إليه. ولأن التجربة قد برز من خلاها قليل من الجادين؛ وكثير من اللصوص والمحتالين فقد انتشرت الرشوة؛ والمحسوبية؛ وعدم تكافؤ الفرص؛ واضطراب العدل الاجتماعي؛ كانت هناك السلع الترفيهية؛ والدخول الطفيلية؛ والغش التجاري؛ والربح السريع؛ وأزمة الإسكان؛ والتهرب من الضرائب؛ وكانت الصناعات الاستراتيجية تعود بقوة إلى الخلف؛ فتم تعطيل وبيع كثير من المصانع والشركات المملوكة للحكومة أو القطاع العام؛ وكانت الآلة الإعلامية لا تكل ولا تمل من القدح والذم في القطاع العام والتجربة المصرية في الصناعة؛ ورأى هؤلاء الكتاب المأمورون بالكتابة أن كل منتج وطني ردئ وسيء قياساً إلى المنتج الأجنبي الذي تغزلوا في تفوق جودته وتعدد مواصفاته.
   وعلى هذا فقد تم في تلك الفترة تخريب النسيج الاجتماعي؛ وطفت على السطح ثقافة مستجدة غريبة عن طبائع شعب يعشق العمل؛ ويرضى من السياسة بما يؤمن له العيش الكريم؛ وكان غريباً على ذلك المجتمع المسالم والمتصالح أن تنتشر بين صفوفه صفات الأنانية؛ والمصلحة الخاصة؛ والرشى؛ وترتيباً على ذلك ضعف الترابط الأسري؛ وتراجعت قيمة المناصب القيادية بعد أن سيطرت قوى المال على قرارها؛ كما تراجعت قيمة المثقف والثقافة بشكل عام بما كانت تحدثه من فعل إيجابي في البناء والتنوير لدى الشباب وغيرهم من طوائف الشعب؛ كما انتشر الإحباط وترتيباً عليه نمت ثقافة فقدان الثقة في المجتمع؛ ثم فقدان الثقة في النفس؛ والانطواء والانعزال؛ وإضافة إلى كل ما تقدم تراجعت كذلك القيم الدينية؛ وأصبح الدين يقدم إلى الناس من غير المتخصصين؛ أو بمعنى آخر صار الدين خادماً للسياسة ويأتمر بأمر أربابها؛ ولا ينطق معظم رجاله إلا بما يوافق هوى الحاكم!. 
     وفي ذلك الوقت ووسط كل هذه المنغصات؛ وفدت تيارات السلفية من بعض دول منطقة الخليج؛ وهي تسعى لاستعادة التوازن لصالح نفسها؛ فتم استقبالها على شوق من جانب المحبطين؛ كما أنها وجدت لنفسها أرضاً خصبة في مجتمع يضرب الفقر سواده الأعظم. كان الشباب محبطاً لأن كل ما حوله لا يعمل لصالحه؛ وكانوا بالتبعية مثل أتون استعرت ناره بينما القائم عليها لا يتوانى في تهدئة جذوتها بقليل من الماء؛ فمال الشاب وانكفأوا بغضبهم على أنفسهم؛ ثم صبوه يائسين على أسرهم؛ ثم على مجتمعهم الذي رأوه يدير ظهره لهم؛ بما يعني أن حراكهم كان ثورة سالبة؛ أي ثورة تهدم وتأكل نفسها؛ في الوقت الذي كانت الدولة في أمس الحاجة إلى طاقاتهم لو أحسنت القراءة، وتبنت الفكر الرشيد.  
    وفضلاً عن ذلك الخلل الاقتصادي والاجتماعي برزت إلى السطح أيضاً قضية الخلل السياسي بانتشار الفراغ الفكري لتمزق الشباب بين التنظيمات السياسية ما بين اليسار واليمين؛ وحالة التيه التي ترتبت على المحاكمات التي تمت بعد عام 1967م وحتى عام 1971م؛ كل ذلك أفقد الشباب كثيراً من الثقة سواء في نفسه؛ أو في مجتمعه ودولته التي تدير كل ذلك الأمر.
   
  وعلى الرغم من تحذيرات كثير من العقلاء من الآثار السلبية لموضوع الانفتاح الاقتصادي بالشكل الذي تم به؛ وتدميره المنظم لاقتصاد البلاد؛ إلا أن "السادات" وأركانه استمروا في غيهم ولم يتراجعوا؛ ولم يكن غريباً أن يشير “السادات" وهو منتفخ الأوداج إلى عام 1980م على أنه سيكون عام الرخاء؛ ولم يدر أحد كيف حسبها وقتها؛ وكيف كان سيتحقق ذلك الرخاء الذي بشر به؟!؛ لكنه كان يرى غير ما يراه الخبراء؛ وكان من الطبيعي أن يعلن خليفته أنه تسلم البلاد وخزينتها شبه خاوية؛ مثلما قال "السادات" من قبل عند بداية توليه للمسئولية بعد وفاة "جمال عبد الناصر" فلم يتردد وهو يقول بدون مواربة إنه تولى الأمر والخزينة العامة للدولة حصيلتها صفر!.
    وربما خفف من وطأة العصف الاقتصادي بكثير من الأسر المصرية موضوع هجرة كثير من الشباب وأرباب المهن للعمل بالبلدان النفطية؛ فتم تفريغ البلاد من الخبرات والكفاءات وهم يكدون في البحث عن وسيلة يسافرون من خلالها إلى واحدة من تلك الدول التي عاشت طفرة مالية في أعقاب ارتفاع أسعار البترول ترتيباً على نتائج حرب أكتوبر، ودورها في تحريك وارتفاع تلك الأسعار التي وصلت إلى مستويات تضاعف فيها سعر البرميل الواحد أكثر من عشرة أضعاف؛ مما أتاح لتلك الدول أن تبدأ خطط تنمية استلزمت أعداداً هائلة من العمالة في مختلف التخصصات؛ ومن ثم سافرت كثير من الكفاءات المصرية بعد أن بلغ بها اليأس مبلغه في مجتمع صار قاسياً بغلاء متلاحق؛ ومظاهر ترف لا تتناسب مع إمكانات دولة تشكل الضرائب والمعونات جانبا ًكبيراً من ميزانيتها الرئيسية. 
   كان هذا هو الحال طوال فترة السبعينيات؛ آمال وطموحات وأحلام بالعز والرخاء؛ وواقع مغاير يأن فيه الشعب من المستجدات المعيشية التي صارت تعصف به ولا تتركه حتى يقوم من انكفائه، وصدق البعض كل ما يقال ترتيباً على مكاسب وأرباح جنوها؛ فانطلقوا نهمين، وكان كل معارض لرؤيتهم بمثابة عدو لا يحب الخير لهم أو للوطن.


بالعودة إلى فكرة إنشاء إذاعة للشباب، فالسؤال الجدير بالطرح هنا؛ هل كان صاحب الفكرة أو المخططون لها على بينة من الأمر بأن قادم الأيام سيكون مغايراً للفترة الماضية؟؛ أم أن القرار كان قد تم اتخاذه بناء على تجربة الماضي؛ وكان مظهراً من مظاهرها؛ لكنه أفل مع المستجدات؛ فتخبطت الفكرة بين من يهمه العمل والإنجاز؛ وبين من رأى المشروع مجرد خدمة ستقدم مجموعة من البرامج التي تختص بالشباب؛ مثلها في ذلك مثل الأركان التي كانت موجودة في الإذاعة وقتها مثل ركن المرأة، وركن السودان وغيرها من الأركان؟!
   وفي كل الأحوال فقد انطلق صوت الإذاعة وبذل الأوائل كل جهدهم وقدحوا قرائحهم في تقديم محتوى مغاير؛ لكن معظم هذا المحتوى كان يذهب من أسف أدراج الرياح لا لعيب في المحتوى؛ ولكن لعيوب في الوسيلة التي انطلقت وهي تفتقد لمعظم التقنيات التي تجعل من صوتها قوياً وحاضراً بين صفوف الشباب، وكان من بين تلك العيوب الواضحة لكل صاحب بصر وبصيرة:
ضعف الموجة أو التردد الحامل لرسالة الإذاعة؛ وقدم الأجهزة والتجهيزات الهندسية؛ وضعف الإمكانيات المادية سواء الخاصة بالأجور؛ أو اللازمة للانتقالات وإقامة الاحتفالات، وتغطية الفعاليات وغيرها.
                                                             يتبع؛؛؛؛؛

محمد جراح مقالات محمد جراح إذاعة الشباب والرياضة وسياسة الانفتاح وأثرها على المجتمع الجارديان المصرية
⇧