شحاتة زكريا يكتب : الأزمات لا تصنع الدول.. بل تكشفها
في لحظات الاستقرار والهدوء تملك الدول ترفا كبيرا في إدارة وقتها وملفاتها. وفرة الخيارات تمنح الأجهزة التنفيذية مساحة واسعة للمناورة وتسمح بتأجيل القرارات المؤلمة وتغطي التدفقات النقدية والسيولة العابرة على الاختلالات الهيكلية التي لم تعالج من جذورها. في تلك الأوقات يبدو كل مسار سالكا وتبدو المشكلات مجرد تفاصيل إدارية يمكن حلها بمرور الوقت أو بضخ المزيد من التسكين المالي. غير أن الأزمات الكبرى لا تترك لأحد رفاهية الانتظار تأتي الصدمة لتختصر المسافات وتضع السياسات والمؤسسات أمام حقيقتها المجردة دون مساحيق إعلامية أو تطمينات بيروقراطية.. الحقيقة التي تثبتها تجارب الأمم عبر التاريخ هي أن الأزمات لا تصنع الدول ولا تُنشئ قدراتها من العدم بل إنها تفعل ما هو أدق وأخطر إنها تكشفها. تكشف مدى متانة قواعدها الإنتاجية ومرونة جهازها الإداري وسرعة استجابة دوائر صنع القرار فيها للتحولات العاصفة وقبل كل ذلك تكشف مدى وعي المجتمع بحجم التحدي الذي يواجهه وما إذا كان شريكا في تحمّل تكلفة العبور أم مجرد متفرج ينتظر النجاة بجهود غيره. الناظر إلى الإقليم المحيط بمصر اليوم يدرك بلا لبس أننا لا نعيش ظرفا طارئا سينقضي خلال أسابيع بل نواجه إعادة تشكيل جذرية لمعادلات الجغرافيا السياسية والاقتصادية معا التوترات الممتدة في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب لم تكن مجرد مناوشات بحرية بعيدة بل تركت أثرا مباشرا وملموسا على حركة الملاحة الدولية وفاتورة التجارة العالمية وحصيلة عائدات قناة السويس شريان النقد الأجنبي الأبرز. يضاف إلى ذلك حزام ناري يحيط بالحدود من غزة المشتعلة إلى السودان الممزق إلى ليبيا التي تبحث عن استقرار غائب وصولا إلى تقلبات سلاسل التوريد وأسواق الطاقة العالمية التي ترفع كلفة برميل البترول وطنا من القمح بين ليلة وضحاها.
هذا المشهد المعقد حسم فكرة لطالما كررها الاقتصاديون والخبراء الاستراتيجيون: لم يعد بالإمكان الفصل بين الأمن والتجارة ولا بين استقرار الحدود وحركة الأسعار في الأسواق المحلية. لقد أسقطت الأحداث وهم الاعتماد المنفرد على ريع الجغرافيا. إن موقع مصر العبقري الذي ظل لعقود طويلة ميزة تنافسية طبيعية تدر دخلا هو في جوهره ميزة ساكنة يمنح الفرصة للدولة لكنه لا يضمن استمرارها ما لم تكن هناك بنية اقتصادية صلبة قادرة على تحويل هذا الممر من مجرد نقطة عبور للبضائع إلى مركز صناعي ولوجستي عملاق يصنع القيمة المضافة ويعيد تدوير التجارة لحسابه.
إن الاعتماد على الموارد السهلة سواء كانت عائدات مرور أو تحويلات عابرة أو استثمارات ساخنة تبحث عن فائدة سريعة وتهرب مع أول صافرة إنذار ثبت أنه يترك ظهر الاقتصاد مكشوفا أمام الصدمات الخارجية. وعندما تهب العواصف الإقليمية لا تنقذ الدول إلا طاقتها الإنتاجية الحقيقية: مصانع تعمل، وأراض تنتج غذاءها، وشركات محلية تمتلك سلاسل إمداد مرنة ومواطن يثق في منتج بلاده ويدرك أن فاتورة الاستيراد غير الضروري تدفع خصما من استقرار عملته الوطنية ومستوى معيشته. من هنا يتضح أن جوهر الامتحان في أوقات الأزمات ليس في مقدار ما تملكه الدولة من احتياطيات أو قروض ومساعدات بل في قدرتها على ترتيب الأولويات. عندما تضيق الموارد وتشتد الضغوط تسقط سياسة إرضاء الجميع في وقت واحد. تصبح الشجاعة الحقيقية في طاولة اتخاذ القرار هي القدرة على التمييز الصارم بين ما هو عاجل وما هو مؤجل بين مشروع يصنع عائدا إنتاجيا وتشغيليا سريعا يخفف ضغط الدولار ويوفر فرص عمل حقيقية وبين مشروعات قد تكون مفيدة لكنها تحتمل الإرجاء حتى تهدأ العواصف. الدولة الرشيدة لا تقيس إنجازها بحجم الإنفاق بل بكفاءة توجيه كل قرش نحو تحصين الأمن القومي بمفهومه الشامل الصناعي والزراعي والتكنولوجي. ولا ينفصل الجانب المؤسسي والإداري عن هذا السياق فالأزمة هي الكاشف الأكبر لكفاءة الجهاز التنفيذي. في أوقات الرخاء يمكن للروتين المكتبي والتعقيدات البيروقراطية أن تعيش في الظل لكن عندما ترتفع تكلفة الفرصة البديلة يصبح التباطؤ في منح ترخيص لمصنع أو عرقلة شحنة مواد خام في الجمارك بمثابة ضربة مباشرة للاقتصاد. تصبح المرونة الإدارية والقدرة على تفكيك العوائق أمام المستثمر الوطني الجاد وتوفير بيئة أعمال شفافة ومستقرة تشريعيا ليست مجرد خيارات لتحسين تصنيف الدولة في تقارير المؤسسات الدولية بل شريان حياة حقيقي لا بديل عنه وعلى الجانب الآخر من المعادلة تكشف الأزمة طبيعة العلاقة بين المواطن ودولته. الأزمات تفرز المجتمع وتظهر معادنه بلا رتوش فهناك من يستغل التحدي للمضاربة واحتكار السلع وإشاعة الإحباط وهناك من يدرك بوعيه الفطري أن سلامة الجبهة الداخلية هي حائط الصد الأخير أمام الفوضى الإقليمية العارمة. الدولة ليست مجرد حكومة تدير وزارات بل هي كيان تضامني يدفع الجميع كلفة اختلاله ويجني الجميع ثمار صموده. والمواطن الواعي هو الذي لا يطالب بحلول سحرية وفورية لمشكلات تراكمت عبر عقود، لكنه في المقابل يطلب شفافية كاملة من مسؤوليه ورؤية واضحة تعزز ثقته في أن التضحيات التي يقدمها اليوم تؤسس لغدٍ أكثر عدالة وأمانا إن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يطرحه كل صاحب قرار ومفكر وكاتب في مصر اليوم ليس هو متى ستنتهي الأزمة الحالية؟ لأن الأزمات في إقليمنا المضطرب أصبحت نمط حياة وليست استثناء مؤقتا بل السؤال هو: كيف سنخرج من هذه الأزمة؟ هل سنخرج منها بمجرد امتصاص الصدمة وتدبير التمويل العاجل وانتظار انفراجة دولية لنعود بعدها إلى الأنماط القديمة نفسها ونترك أبوابنا مفتوحة للأزمة القادمة؟ أم سنستثمر هذا الضغط كفرصة تاريخية لا تتكرر لإعادة هيكلة الاقتصاد من القاع إلى القمة وتحفيز التصنيع المحلي وتوطين التكنولوجيا وتقليص الاعتماد على الخارج في السلع الاستراتيجية وإطلاق طاقات الشباب والقطاع الخاص الوطني؟ التاريخ يعلمنا أن الأمم الحية هي التي تحوّل كبواتها إلى منصات انطلاق. لم تبن دولة كبرى مجدها إلا بعد أن واجهت أزمات وجودية اختبرت صلابة نسيجها فخرجت منها بنظم أقوى وإدارة أكثر رشادة. واليوم تقف مصر أمام هذا الاختبار الصريح فالمطلوب ليس القلق الذي يشل الحركة ولا المكابرة التي تنكر الواقع بل المواجهة بعقل بارد وجرأة في تصويب المسارات وإيمان راسخ بأن مصر تمتلك من الطاقات البشرية والمقومات الجغرافية والحضارية ما يمكنها ليس فقط من الصمود بل من صياغة مستقبل تملك فيه قرارها وقوتها. الأزمة رفعت الغطاء عن كل شيء ولم يعد أمامنا سوى أن نثبت أن معدن هذه الدولة قادر على تجاوز الامتحان.












لـ27 أكتوبر.. تأجيل نظر دعوى زينة ضد أحمد عز بشأن متجمد أجر...
شاب يقتل مسنة ويشعل النار في مسكنها ويقفز من الشقة بمصر القديمة
مصرع سيدة سقطت من أعلى عقار سكنى في التجمع
اليوم..أولى جلسات استئناف حكم إعدام متهم بخطف فتاة من ذوي الإعاقة
أسعار الذهب اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026.. وعيار 21 بـ6340 جنيهًا
سعر الذهب اليوم في مصر الاثنين 14 سبتمبر 2026.. عيار 21 يسجل...
سعر الدولار اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 فى مصر
أسعار العملات الأجنبية اليوم الجمعة فى مواجهة الجنيه المصري