الخميس 15 أكتوبر 2026 12:09 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

السيناريست عماد النشار يكتب : زمان كان لينا بيت

السيناريست عماد النشار
السيناريست عماد النشار

من عشر سنين، هبط على حتتا جماعة من المستثمرين الجدد ، واشتروا العمارة اللي في حتتنا، من غير لا إحم ولا دستور ، العمارة اللي كانت مالية علينا حياتنا، واللي سكانها كانوا جزء من بيوتنا، رغم إننا عمرنا ما عشنا معاهم تحت سقف واحد.

كانوا سكان غاية في الإحترام، وبيفهموا في الأصول ، وكل دور في العمارة  كان له حكاية، وكل شقة كان ليها  عالم، وكل ساكن كان بيفتح لنا شباكه، يدخل منه حدوتة جديدة، وفكرة مختلفة، وضحكة من القلب، ودمعة صادقة، أو سؤال يفضل معانا حتى بعد ما الحكاية تخلص، حتى التسليه والترفيه كان ليها هدف ومضمون .
كانوا بيعلمونا، ويمتّعونا، وبيحترموا عقولنا، وبيسلّونا، ويضحّكونا، ويبكّونا، والأهم من ده كله، كانوا بيعرّفونا نفسنا.،كنا بنشوف فيهم حياتنا، وشوارعنا، وبيوتنا، وأحلامنا، وانكساراتنا، ونلاقي في حكاياتهم ناس شبهنا، حتى لو اختلفت أسماؤهم وعناوينهم.

عشرات الشقق ، عشرات القصص ، وعشرات الوجوه اللي اتعودنا عليها، وبقينا نحس إن العمارة دي جزء من حياتنا، وإن سكانها مش مجرد ناس ساكنين في بيوت، لكن أصحاب بيوت جوانا إحنا كمان.

وفجأة، اتغير كل شيء.

الملاك الجداد قرروا إن العمارة لازم يبقى لها شكل تاني، وإن السكان القدامى ما بقوش مناسبين للمرحلة الجديدة. وابتدت عملية الإخلاء، شقة ورا شقة، وساكن ورا ساكن. ناس عاشت سنين طويلة في العمارة، وناس بنت حكاياتها طوبة طوبة، وناس كانت سبب في إن العمارة يبقى لها اسم وقيمة ومكانة، خرجوا منها واحدًا وراء التاني.

ما حدش سألنا إحنا رأينا إيه، ولا حد اهتم إننا اتعودنا على السكان دول، ولا إن وجودهم كان جزءًا من يومنا، وإننا بنستناهم كل ليلة، مش عشان نشوفهم وبس، لكن عشان نسمع حكاياتهم ونعيش معاهم لحظات من حياتنا.

وبعد ما الشقق فضيت، بدأ الملاك يجيبوا سكان جداد.

سكان كتير، ووجوه جديدة، وأصوات عالية، وحركة ما بتهداش، لكن الغريب إن العمارة، رغم الزحمة، بقت موحشة. الشقق منورة، لكن النور ما بقاش بيدخل قلوبنا، والأصوات مالية المكان، لكن مفيش حكاية تستحق إننا نقعد نسمعها،  ولا نضيع وقتنا عليها، وبقينا نسأل نفسنا، هي دي العمارة اللي نعرفها وكانت سكنانا وبتطل منّا علينا  ؟

وبعدين اكتشفنا إن الحكاية مش حكاية عمارة أصلًا.

دي حكاية شاشة كانت يوم الشبّاك اللي فتحاه  مصر على نفسها، وكانت الدراما اللي بتعرضها جزءمن ذاكرتنا ووجدانّا ،شاشة عرّفتنا قيمة الفن، وقدرة الحكاية على إنها تضحكنا وتبكينا وتناقشنا، وتخلينا نشوف المجتمع بكل تناقضاته، من غير ما تستخف بعقولنا، أو تفرض علينا وصاية، أو تتعامل مع أذواقنا باعتبارها سلعة بلا روح.

كانت الدراما المصرية بتقدم فن أصيل، يحترم عقل المشاهد وفكره، ويعرف إن احترام العادات والتقاليد مش معناه الهروب من الواقع، وإن مناقشة المشكلات مش معناها تشويه المجتمع، وإن الفن الحقيقي مش مطالب إنه يجمّل كل شيء، لكنه مطالب إنه يفّهم، ويكشف، ويناقش، ويطرح الأسئلة من غير ما يتنازل عن قيمته.

كانت الشاشة بيت كبير ، فيه مكان للكبير والصغير، وللموهوب وصاحب الخبرة، وللكاتب اللي عنده حكاية تستحق تتحكي ، وللممثل اللي قضى عمره يتعلم إزاي يصدق في لحظة، وللمخرج اللي يعرف إن الصورة مش مجرد كادرات حلوة، لكنها رؤية وموقف ومعنى.

وبمرور السنين، اتغيرت قواعد السكن في البيت الكبير.

لم يعد التاريخ وحده كافيًا، ولا الموهبة وحدها ضمانًا للاستمرار، ولا الخبرة المتراكمة تذكرة للعبور إلى الشاشة. وبدلًا من أن تتسع العمارة لأجيال جديدة من المبدعين، مع الاحتفاظ بأصحابها الذين صنعوا مجدها، أصبحنا أمام مشهد مثير للقلق ، أسماء كبيرة تتراجع فرصها، ووجوه اعتدنا حضورها تغيب، وأعمال لا تجد طريقها إلى الجمهور، في مقابل موجات متلاحقة من الإنتاج والتسويق والضجيج والإسفاف والقبح .

لا أحد يعترض على التجديد، ولا على ظهور مواهب جديدة، ولا على اختلاف الأذواق والأجيال. فالفن الذي لا يتجدد يتحول إلى متحف، لكن الفن الذي يتجدد بهدم ذاكرته يوشك أن يفقد هويته... المشكلة ليست في أن يأتي سكان جدد، وإنما في أن يصبح دخولهم مشروطًا بخروج أصحاب الخبرة، وكأن الموهبة لا تتسع إلا بإقصاء موهبة أخرى، وكأن الشاشة لا تستطيع أن تجمع بين جيل صنع تاريخها وجيل يريد أن يصنع مستقبله.

وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية.

خسارة الكاتب الذي لم يعد يجد مساحة لحكايته، والممثل الذي يمتلك تاريخًا لكنه لا يجد دورًا يليق به، والمخرج الذي يعرف قيمة التفاصيل لكنه يصطدم بمنطق السوق، والمشاهد الذي يفتح شاشته بحثًا عن عمل يحترم وقته وعقله، فيجد نفسه أمام أعمال لا يجد فيها ما يشبهه، ولا ما يضيف إليه، ولا ما يستحق أن يبقى في ذاكرته.

والمفارقة أن الدراما التي كانت تعرف كيف تصنع النجوم، وتمنح الفنان قيمته من خلال العمل، باتت في بعض تجاربها تمنح الضجيج مساحة أكبر من الموهبة، وتراهن على الانتشار أكثر من الرصيد الفني، وعلى إثارة الانتباه أكثر من بناء حكاية قادرة على البقاء.

ليس كل جديد سيئًا، وليس كل قديم عظيمًا، لكن المشكلة حين يصبح معيار الاختيار أبعد ما يكون عن القيمة الفنية، وحين تتحول الصناعة من مشروع ثقافي يمتلك ذاكرة ورسالة إلى حسابات لا ترى في العمل إلا فرصته في البيع والانتشار.

أما الجمهور، صاحب العمارة الأصيل  الذي لم يستشره أحد في تغيير ملامح عمارته، فلا يزال يدفع ثمن التغيير من وقته ووجدانه،لم يتوقف عن حب الفن، ولم يفقد قدرته على التمييز، لكنه لم يعد يجد دائمًا ما يبحث عنه،وهذا ما يجعله يعود إلى أعمال قديمة، يشاهدها للمرة العاشرة، لا لأنه يرفض الحاضر، بل لأنه يفتقد في أغلب  ما يُعرض اليوم ذلك الإحساس القديم بأن هناك من يحكي له حكاية تستحق أن يهتم بها .

والسؤال هنا ليس لماذا تغيرت الدراما؟ فالتغيير سنة الحياة، وإنما ماذا فعلنا بالرصيد الذي صنع مكانتها؟ ولماذا يبدو أحيانًا أن الطريق إلى المستقبل يمر عبر إغلاق أبواب كثيرة في وجه أصحاب الخبرة، بدلًا من الاستفادة منهم ونقل خبراتهم إلى الأجيال الجديدة؟

إن الصناعة التي تُخرج أصحابها الحقيقيين إلى المعاش المبكر، وتتركهم على هامش المشهد رغم ما يمتلكونه من تاريخ وموهبة وحرفة، لا تخسر أفرادًا فحسب، بل تخسر جزءًا من ذاكرتها، وتقطع خيطًا كان يصل بين أجيالها، وتغامر بأن تبدأ كل مرة من الصفر، وكأن ما سبقها لم يكن يستحق البقاء.

والمؤلم أن العمارة لا تزال قائمة، والشاشة لا تزال مضاءة، والإعلانات لا تزال تملأ الشوارع، لكن بريق المكانة القديمة لا يُستعاد بمجرد زيادة عدد الشقق، ولا تُصنع قيمة الفن بمجرد زيادة عدد الأعمال.

فالفن ليس عدد ساعات البث، ولا عدد المسلسلات، ولا حجم الدعاية، ولا صخب الأسماء، الفن الحقيقي هو ما يبقى في وجدان الناس بعد أن تنتهي المشاهدة، وما يجعلهم يتذكرون حكاية أو شخصية أو مشهدًا بعد سنوات، وما يمنحهم لحظة صدق وسط عالم يزداد قبحًا.

وعلشان كده، حكاية العمارة مش مجرد حنين لسكان رحلوا، لكنها سؤال عن بيت كامل،مين اللي بيقرر مين يسكنه؟ وبأي معيار؟ وهل يحق لمن امتلك المبنى أن يبدد تاريخه، لمجرد أنه أصبح المالك الجديد؟

في النهاية، قد يمتلك البعض مفاتيح العمارة، لكنهم لا يمتلكون وحدهم ذاكرتها، ولا يستطيعون أن يفرضوا على الناس أن يحبوا ما لا يجدون فيه أنفسهم.

فالبيوت لا تصنعها الجدران وحدها، والشاشات لا تصنعها الكاميرات وحدها، والدراما لا تصنعها الأموال وحدها.

هناك دائمًا بشر صنعوا الحكاية، وموهبة منحتها روحًا، وجمهور منحها عمرًا أطول من عمر أصحابها.

وإذا كان من حق المالك أن يغيّر شكل العمارة، فليس من حق أحد أن يتصور أن تغيير السكان كفيل بأن يصنع لها تاريخًا جديدًا.

لأن العمارة التي تطرد كل يوم ساكنًا صنع مجدها، قد تظل واقفة، لكنها يومًا ما ستكتشف أن المبنى بقي، وأن القيمة  رحلت.

عماد النشار السيناريست عماد النشار زمان كان لينا بيت الجارديان المصرية
⇧