الخميس 21 مايو 2026 12:33 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب : العالم الرقمي…حين صار الإنسان مراقبا ومكشوفا طوال الوقت

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

لم يعد الإنسان يعيش وحده كما كان يظن في كل لحظة هناك شيء ما يراقب، يسجل، يحلل، ويتتبع التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. الهاتف الذي نحمله باعتباره وسيلة للراحة أصبح يعرف عنا أكثر مما يعرفه أقرب الناس إلينا. محركات البحث تحفظ ما نفكر فيه ومنصات التواصل ترصد ما نحبه وما نكرهه والخوارزميات تبني عالما رقميا كاملا حول كل فرد دون أن يشعر.. العالم دخل مرحلة جديدة لم تعد الخصوصية فيها حقا واضحا كما كان بل أصبحت مساحة رمادية تتآكل تدريجيا تحت إغراء السرعة والراحة والتكنولوجيا. المشكلة أن الإنسان لم يجبر على التخلي عن خصوصيته بالقوة بل فعل ذلك طواعية حين فتح أبواب حياته بالكامل أمام الشاشات.. في الماضي كان الخوف من المراقبة مرتبطا بالأنظمة الأمنية وأجهزة الاستخبارات.أما اليوم فأصبح الأمر أكثر تعقيدا وأشد هدوءا. لم تعد المراقبة تحتاج إلى رجل يتبعك في الشارع بل إلى تطبيق صغير في هاتفك أو موقع إلكتروني تعرفه جيدا وتستخدمه يوميا دون تفكير.. الإنسان المعاصر يعيش حالة غير مسبوقة من الانكشاف الرقمي. كل شيء تقريبا أصبح قابلا للرصد: تحركاته، اهتماماته، أصدقاؤه، عاداته الشرائية، حالته النفسية وحتى أوقات ضعفه وغضبه وقلقه. ومع تراكم هذه البيانات، لم تعد التكنولوجيا تعرف ماذا نفعل فقط بل أصبحت قادرة على توقع ما قد نفعله لاحقا..هنا يكمن التحول الأخطر القضية لم تعد جمع معلومات بل القدرة على التأثير. فمن يملك البيانات يملك النفوذ ومن يفهم سلوك البشر يستطيع توجيههم بصورة قد تكون غير مرئية أحيانا.
منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مساحات للتفاعل بل تحولت إلى أدوات ضخمة لإعادة تشكيل الوعي العام. ما نراه يوميا على الشاشات ليس دائما انعكاسا بريئا للواقع بل نتيجة خوارزميات تحدد ما يجب أن يصل إلينا وما يجب أن يختفي وما يستحق الانتشار وما يُدفن وسط الزحام الرقمي.
ومع الوقت بدأ الإنسان يفقد قدرته على العيش خارج هذا العالم. الهاتف لم يعد مجرد وسيلة اتصال بل أصبح امتدادا نفسيا وعصبيا للحياة اليومية. نستيقظ عليه ننام بجواره ونقضي ساعات طويلة نراقب الآخرين بينما تتم مراقبتنا في الوقت نفسه.. المفارقة أن التكنولوجيا التي جاءت لتقرب البشر جعلت كثيرا منهم أكثر عزلة. أصبح الإنسان حاضرا رقميا طوال الوقت لكنه غائب إنسانيا في كثير من اللحظات. العلاقات أصبحت أسرع وأخف والمشاعر تختصر في رموز وصور والاهتمام يقاس بعدد المشاهدات والتفاعلات.
وفي خضم هذا الزحام الرقمي ظهرت أزمة جديدة لم تكن مطروحة بهذا الشكل من قبل: هل ما زال الإنسان يملك نفسه كاملة؟ أم أصبح جزءا من منظومة ضخمة تتعامل معه باعتباره بيانات قابلة للتحليل والتوجيه والاستهلاك؟
الأمر لم يعد مرتبطا فقط بالشركات التكنولوجية الكبرى بل تحول إلى قضية تتعلق بالأمن والسياسة والاقتصاد. الدول نفسها أصبحت تدرك أن البيانات قد تكون أخطر من السلاح التقليدي، وأن السيطرة على المعلومات تعني امتلاك قدرة هائلة على التأثير في المجتمعات.. ولهذا دخل العالم سباقا محموما حول الذكاء الاصطناعي والبيانات والتكنولوجيا لأن معارك المستقبل لن تكون فقط على الأرض أو الموارد بل على العقول والسلوك والوعي الإنساني...لكن رغم كل هذا التقدم يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل المشكلة في التكنولوجيا نفسها؟ الحقيقة أن التكنولوجيا في جوهرها ليست عدوا للإنسان بل إنجازا ضخما صنع حياة أكثر سهولة وسرعة. المشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان وعيه بحدود العلاقة بينه وبين هذه الأدوات. حين يتحول المستخدم من شخص يسيطر على التكنولوجيا إلى شخص تعيدالتكنولوجيا تشكيله بهدوء.. المجتمعات الأكثر وعيا ليست تلك التي ترفض التطور، بل التي تعرف كيف تحافظ على إنسانيتها وسط هذا التطور. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تصبح الآلات أكثر ذكاء بل أن يصبح الإنسان أقل قدرة على التفكير المستقل وأكثر قابلية للتوجيه دون أن يشعر.
في النهاية يبدو العالم الرقمي كمدينة ضخمة مضيئة من الخارج لكنها تخفي وراء هذا الضوء أسئلة عميقة ومقلقة.
هل ما زلنا نعيش حياتنا كما نريد نحن أم كما تقرر الخوارزميات؟ هل نستخدم التكنولوجيا فعلا أم أننا أصبحنا جزءا من نظام يستخدمنا نحن؟ ربما لا يملك أحد إجابة كاملة حتى الآن لكن المؤكد أن الإنسان في هذا العصر لم يعد فقط مستخدما للتكنولوجيا… بل أصبح مكشوفا أمامها طوال الوقت.

شحاته زكريا العالم الرقمي…حين صار الإنسان مراقبا ومكشوفا طوال الوقت الجارديان المصريه