السبت 6 يونيو 2026 01:33 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : نكسة 67 وسقوط الواقع حينما انهار الوهم وبقيت الحقيقة

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

لا تسقط الأمم في يوم واحد، ولا تهزم الجيوش في ساعات معدودة إلا بعد أن تكون عوامل السقوط قد تسللت إلى الجسد قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضها. فالهزائم الكبرى لا تبدأ في ساحات القتال، بل تبدأ عندما يتسع الفارق بين الحقيقة والصورة التي يرسمها الناس لأنفسهم، وعندما يتحول الوهم إلى واقع مصطنع يصدقه الجميع حتى تأتي لحظة الاصطدام المؤلمة.
وفي السنوات التي سبقت يونيو 1967 كانت مصر والأمة العربية تعيش حالة استثنائية من الحلم والطموح والتطلع إلى مستقبل مختلف. كانت الشعارات القومية تملأ الشوارع والميادين، وكانت الجماهير تؤمن بأنها مقبلة على مرحلة جديدة من القوة والريادة. لكن خلف هذا المشهد الصاخب كانت هناك مشكلات حقيقية تتراكم في صمت، وأخطاء تتسع مساحتها يوماً بعد يوم.
فقد تراجع النقد أمام التصفيق، وغابت المراجعة الحقيقية أمام الثقة المفرطة، وظهرت مراكز نفوذ وقوى داخلية امتلكت من السلطة ما جعلها أحياناً فوق المحاسبة. وتحولت بعض المؤسسات إلى دوائر مغلقة لا يصل إليها صوت الناصحين ولا تحذيرات المخلصين.
وفي الوقت نفسه شهدت الحياة الفكرية والثقافية صراعات حادة بين اتجاهات متعددة، بعضها رأى أن النهضة لا تتحقق إلا بالقطيعة مع التراث والدين والقيم التي شكلت وجدان الأمة عبر قرون طويلة. وظهرت دعوات تنظر إلى الإيمان باعتباره قضية شخصية لا علاقة لها ببناء المجتمع أو صناعة الحضارة، بينما بالغ آخرون في تمجيد الأفكار المستوردة باعتبارها الحل السحري لكل المشكلات.
وعلى المستوى الاجتماعي بدأت مظاهر الانشغال بالدنيا ومكاسبها تتسع في بعض الأوساط، وتراجع الاهتمام بمعاني التضحية والانضباط والمسؤولية لدى فئات من المجتمع. ولم يكن ذلك حال الجميع بالطبع، لكنه كان أحد المؤشرات التي رآها كثير من المصلحين والمفكرين دليلاً على وجود خلل يحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
ثم جاءت أزمات متلاحقة كشفت أن الطريق لم يكن خالياً من العقبات. فالوحدة المصرية السورية التي ولدت وسط أحلام كبيرة انتهت بالانفصال، وحرب اليمن استنزفت جانباً مهماً من القدرات والموارد، بينما كانت إسرائيل تعيد بناء قوتها وتستعد لمعركة مصيرية قادمة.
وفي خضم هذه الظروف ارتفعت نبرة الخطاب العاطفي، وامتلأت الساحات بالشعارات الكبرى، بينما كانت الحقائق العسكرية والسياسية أكثر تعقيداً مما يتصور كثيرون. وعندما تبتعد الأمة عن المصارحة، يصبح الوهم بديلاً عن الواقع، وتصبح المفاجآت أكثر قسوة حين تحين لحظة الاختبار.
ثم جاء يونيو.
وجاءت معه الصدمة التي هزت الضمير العربي كله.
في ستة أيام فقط سقطت تصورات كاملة، وانكشفت حقائق كانت غائبة أو مغيبة، واستيقظ الملايين على واقع مختلف تماماً عما كانوا يظنون. لم تكن النكسة مجرد خسارة أرض أو معركة، بل كانت انهياراً لصورة ذهنية استقرت في العقول سنوات طويلة.
وكان الألم قاسياً، لكنه كان أيضاً بداية مراجعة شاملة.
فمن قلب الهزيمة خرجت أسئلة كبرى: أين أخطأنا؟ ولماذا حدث ما حدث؟ وكيف يمكن أن تعود الأمة إلى طريق القوة الحقيقية؟
وبدأت رحلة إعادة البناء. رحلة طويلة من الصبر والتضحية والعمل الشاق. أعيد بناء القوات المسلحة على أسس جديدة، وبدأت حرب الاستنزاف، وعادت قيمة العلم والتدريب والانضباط إلى الواجهة، حتى جاء نصر أكتوبر بعد سنوات ليؤكد أن الأمم التي تواجه أخطاءها بصدق تستطيع أن تنهض من جديد.
غير أن الدرس الأعمق الذي تركته النكسة لا يتعلق بالسلاح وحده، بل يتعلق بالإنسان نفسه.
لقد علمتنا التجارب أن الابتعاد عن الله وعن منظومة القيم التي جاء بها الدين لا ينعكس على الفرد وحده، بل يمتد أثره إلى المجتمع كله. فعندما يغيب الصدق يحل محله النفاق، وعندما تتراجع الأمانة تتقدم المصالح، وعندما يضعف الضمير يصبح الفساد أمراً عادياً، وعندما يفقد الإنسان صلته بخالقه يفقد شيئاً من توازنه الداخلي مهما امتلك من أسباب القوة المادية.
والوهن لا يبدأ في الجسد، بل يبدأ في القلب. يبدأ حين يضعف الإيمان بالرسالة، ويحل اليأس محل الأمل، وتصبح المصلحة الخاصة أهم من المصلحة العامة. وحين ينتشر هذا الوهن بين الأفراد، يتحول مع الوقت إلى حالة عامة تصيب المجتمع كله، فتضعف إرادته وتتراجع قدرته على مواجهة التحديات.
ولهذا فإن ذكرى يونيو لا ينبغي أن تبقى مجرد مناسبة لاستحضار الألم، بل يجب أن تتحول إلى فرصة دائمة للتأمل والمراجعة واستخلاص الدروس.
وأهم هذه الدروس هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الشباب المصري والعربي اليوم.
فالعالم الذي يعيش فيه شبابنا الآن لا يقل تعقيداً عن العالم الذي سبق النكسة. بل إن أدوات التأثير والتوجيه أصبحت أكثر انتشاراً وخطورة. وهناك من يسعى إلى إقناع الأجيال الجديدة بأن الهوية عبء، وأن الدين عائق، وأن القيم مجرد تراث قديم لا يصلح للعصر الحديث.
لكن التاريخ يقول غير ذلك.
فالأمم لا تنهض بالتكنولوجيا وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا بالقوة العسكرية وحدها. كل هذه عناصر مهمة، لكنها تحتاج إلى أساس أخلاقي وروحي يحفظ توازنها ويوجهها نحو الخير والبناء.
أيها الشباب المصري والعربي...
اقرأوا التاريخ جيداً، لا لتعيشوا في الماضي، بل لتفهموا الحاضر وتصنعوا المستقبل. تمسكوا بدينكم دون تعصب، وانفتحوا على العالم دون ذوبان، واطلبوا العلم بلا حدود، لكن لا تسمحوا لأحد أن يقتلع جذوركم أو يشكككم في هويتكم.
اجعلوا الإيمان دافعاً للعمل، لا بديلاً عنه. واجعلوا الأخلاق شريكاً للنجاح، لا عائقاً أمامه. واعلموا أن الأوطان لا تبنيها الشعارات، وإنما يبنيها المخلصون الذين يتقنون أعمالهم ويحترمون مسؤولياتهم ويقدمون مصلحة بلادهم على مصالحهم الضيقة.
إن مصر لا تحتاج إلى جيل يردد أمجاد الماضي فقط، وإنما تحتاج إلى جيل يصنع أمجاداً جديدة. تحتاج إلى علماء ومفكرين ومهندسين وأطباء ومعلمين ومبدعين يحملون في عقولهم العلم الحديث، وفي قلوبهم الإيمان، وفي سلوكهم الأخلاق، وفي وجدانهم حب الوطن.
وتبقى الحقيقة التي لا تتغير أن الأمم التي تراجع نفسها عند الخطأ أقرب إلى النهوض من الأمم التي تصر على تجاهل عيوبها. وأن المجتمعات التي تتمسك بقيمها وتوازن بين الإيمان والعمل تملك من أسباب البقاء ما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والعواصف.
ومن هنا فإن "سقوط الواقع" لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية اكتشاف الحقيقة. والحقيقة دائماً مؤلمة في لحظتها الأولى، لكنها الطريق الوحيد إلى النهضة.
فليكن تاريخ يونيو درساً لا ذكرى، وعبرة لا حكاية، ورسالة متجددة إلى كل جيل بأن الأوطان القوية لا تُبنى بالوهم، وأن الحضارات العظيمة لا تقوم على الشعارات وحدها، وأن الإيمان والأخلاق والعلم والعمل الصادق ستظل دائماً هي الأعمدة التي تقوم عليها نهضة الأمم واستمرارها.
وإذا كانت النكسة قد أسقطت أوهاماً كثيرة، فإنها في المقابل أعادت التذكير بحقيقة خالدة: أن الأمة التي تعرف ربها، وتحترم قيمها، وتتعلم من أخطائها، وتؤمن بقدرتها على النهوض، لا يمكن أن تبقى أسيرة الهزيمة، لأن في داخلها دائماً بذور بعث جديد، ووعداً متجدداً بأن بعد العسر يسراً، وبعد المحنة منحة، وبعد السقوط قياماً أكثر قوة ووعياً ونضجاً.

حسين السمنودى نكسة 67 وسقوط الواقع حينما انهار الوهم وبقيت الحقيقة الجارديان المصريه