الأحد 7 يونيو 2026 07:51 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد تكتب : العزلة... موطن الروح الأخير

لكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد
لكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد

ليست العزلة كما يظنها كثيرون بابًا للهروب من العالم، ولا ستارًا يُسدل على الحياة حين تثقلها الخيبات. العزلة الحقيقية موطنٌ آخر، نعود إليه كلما أرهقتنا الضوضاء، وكلما ضاعت ملامحنا بين وجوه الآخرين.

أذكر أنني كنت أعتقد يومًا أن الوحدة عقوبة، وأن البقاء طويلًا مع النفس نوعٌ من التيه. لكن السنوات كانت أكثر حكمة مني؛ فقد أخذتني عبر طرقٍ كثيرة، مكتظة بالوجوه والأحاديث والضجيج، حتى اكتشفت أن الإنسان قد يكون محاطًا بمئات الأشخاص، ومع ذلك يشعر بوحدةٍ أشد قسوة من الجلوس منفردًا في غرفةٍ صامتة.

في إحدى محطات العمر، حين خفتت الأصوات من حولي، وجدت نفسي وجهًا لوجه أمام ذاتي. لم يكن اللقاء سهلًا كما توقعت. كانت هناك أسئلة مؤجلة منذ سنوات، وذكريات خبأتها في أقبية النسيان، وأحلام مكسورة لم أجرؤ على النظر إليها طويلًا.

هناك فقط فهمت أن العزلة ليست انسحابًا من الحياة، بل مواجهة صريحة معها.

إنها تلك الزاوية التي لا يقتحمها إلا من امتلك شجاعة النظر إلى داخله دون أقنعة. ففي العزلة يسقط التصنع، وتتراجع الأدوار التي نؤديها أمام الآخرين، ويبقى الإنسان عاريًا أمام حقيقته، لا يملك سوى صدقه.

في ذلك الموطن الهادئ، تبدأ رحلة مختلفة؛ رحلة لا تحتاج إلى حقائب أو خرائط أو تذاكر سفر. رحلة تقطعها داخل حدود ذاتك، فتكتشف القارات المجهولة في روحك، والجبال التي صنعتها مخاوفك، والوديان التي حفرتها خساراتك القديمة.

هناك تتعلم أن بعض الجراح لا تحتاج إلى طبيب، بل إلى وقتٍ وصمت. وأن بعض الإجابات لا تأتي من الخارج مهما بحثنا عنها، بل تولد ببطء في أعماقنا حين نصغي جيدًا إلى صوتنا الداخلي.

العزلة ليست فراغًا كما تبدو، بل امتلاء من نوع آخر. امتلاء بالأسئلة، بالتأمل، بالمراجعة، وبالقدرة على رؤية الأشياء من مسافة أكثر وضوحًا. إنها لحظة يعود فيها الإنسان إلى نفسه ليجمع شتاته، ويرمم ما تصدع فيه، ويعيد ترتيب فوضى الروح.

ولعل أجمل ما تمنحه العزلة أنها تعلّمنا الاكتفاء. لا اكتفاءً بالناس أو بالحياة، بل اكتفاءً بالسلام الذي ينبع من الداخل. ذلك السلام الذي لا تصنعه الظروف، ولا تمنحه العلاقات، بل يولد حين نصبح قادرين على مصادقة أنفسنا.

لهذا لم تعد العزلة في نظري مهربًا من العالم، بل موطنًا أعود إليه كلما أضناني الطريق. هناك أخلع ضجيج الأيام عن كتفي، وأجلس مع روحي طويلًا، فأدرك أن أعظم الرحلات التي خضتها لم تكن عبر المدن والبلدان، بل تلك التي قطعتها داخل حدود ذاتي.

ففي نهاية الأمر، قد نجد أوطانًا كثيرة على الخرائط، لكن الوطن الأكثر صدقًا هو ذلك الذي نسكنه في أعماقنا، حين نصالح أنفسنا ونمنحها حقها في الصمت والتأمل والنجاة.

الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد العزلة... موطن الروح الأخير الجارديان المصريه