الإثنين 8 يونيو 2026 01:23 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. نهال أحمد يوسف تكتب : حلاق الصحة

د. د. نهال أحمد يوسف
د. د. نهال أحمد يوسف

تبدو الظاهرة، للوهلة الأولى، محيرة. كيف يصدق الناس في عصر الذكاء الاصطناعي والتقدم الطبي الهائل شخصاً لا يستند إلى دليل؟ كيف يترك البعض الطبيب والدواء والفحص، ويتعلقون بصوت غريب على منصة رقمية؟ لكن السؤال، رغم وجاهته، لا يكفي. لأنه يفترض أن الإنسان حين يمرض يبحث فقط عن الحقيقة العلمية، بينما الحقيقة أن المرض لا يهاجم الجسد وحده؛ إنه يهاجم الإحساس بالأمان. يوقظ في الإنسان خوفاً أقدم من كل العلوم، ويتركه عارياً أمام هشاشته، باحثاً لا عن علاج فقط، وإنما عن معنى، وعن يد تمتد إليه، وعن صوت يقول له بثقة: لا تخف، الأمر أبسط مما تظن.

من هنا لا يمكن فهم أدعياء الطبابة الرقمية بوصفهم مجرد ظاهرة عابرة صنعتها وسائل التواصل الاجتماعي. فهم امتداد قديم جداً لحاجة إنسانية لا تموت: الحاجة إلى وسيط يفسر الألم، ويخفف الرعب، ويمنح المرض قصة يمكن احتمالها. فالإنسان لم يتعامل مع المرض، عبر تاريخه، كعطل بيولوجي فقط؛ فقد كان المرض دائماً شيئاً أكثر اتساعاً وغموضاً: رسالة، أو لعنة، أو اختباراً، أو اختلالاً في علاقة الإنسان بالعالم، أو علامة على قوة خفية لا يراها.

في مصر القديمة، لم يكن الشفاء منفصلاً عن هذا الخيال العميق. تكشف البرديات الطبية، ومنها بردية إيبرس الشهيرة، عن عالم تتجاور فيه الوصفة العلاجية مع التعويذة، والعشب مع الدعاء، والمعرفة العملية مع التصور السحري والديني. ولا يعني ذلك غياب العقل، وإنما يكشف أن العقل القديم كان يرى الإنسان كائناً كاملاً، لا جسداً فقط. فإذا تألم الجسد، اضطرب معه القلب والروح والعلاقة بالكون.

وتخبرنا “الرسائل إلى الموتى” عن هذا المعنى بوضوح مؤثر. كان بعض المصريين القدماء يكتبون إلى أحبائهم الراحلين، يناجونهم، يطلبون منهم العون، الحماية، رفع الأذى، أو التخفيف من مرض لا يجدون له تفسيراً كافياً. في تلك الرسائل لا يظهر المرض كحالة طبية مجردة، وإنما كجرح في شبكة العلاقات بين الأحياء والموتى، بين المرئي وغير المرئي، بين الخوف والرجاء. وكان هناك الطبيب المتمرس، كما كان هناك صاحب التعاويذ والتمائم والطقوس. ولم يكن الناس يرون دائماً تناقضاً حاداً بين الاثنين، لأن الشفاء نفسه كان أوسع من أن يُختصر في الدواء وحده.

ولم يتوقف هذا الخيال العلاجي عند حدود مصر القديمة. ففي التاريخ المصري الأقرب، ظل “حلاق الصحة” واحداً من أكثر الوجوه ألفة في الذاكرة الشعبية. لم يكن مجرد حلاق بالمعنى الضيق؛ فقد كان يؤدي أدواراً طبية صغيرة: يخلع الأسنان، يضمد الجروح، يجري الختان، يمارس الحجامة، ويتدخل في شؤون الجسد بما تسمح به الخبرة المتوارثة لا الدراسة النظامية. وبجواره كان “الشيخ” أو المعالج الشعبي يحضر بوصفه صاحب البركة والرقية والكلمة التي تهدئ الروح قبل الجسد.

كان حلاق الصحة قريباً. وهذه القربى كانت جزءاً من علاجه. كان ابن المكان، يعرف الحكايات الصغيرة، يسمع الشكوى كاملة، ولا يحاصر المريض بالمصطلحات. أما الطب الحديث، رغم قوته وضرورته، فقد جاء محاطاً بهيبة المؤسسة، وغموض الأجهزة، وبرودة الانتظار، وسلطة الورقة المختومة. ولهذا لم تكن ثقة الناس في حلاق الصحة دائماً دليلاً على غياب الوعي، وإنما دليلاً أيضاً على حاجتهم إلى طب يفهمونه ويشعرون معه بأنهم مرئيون.

اليوم، يعود المشهد نفسه في صورة جديدة. صانع المحتوى الطبي البديل هو حلاق الصحة وقد تعلم لغة العصر. لم يعد يجلس في دكان، صار يظهر في بث مباشر. لم يعد يرفع موسى، صار يرفع عبوة مكمل غذائي. ولم يكتفِ بأن يقول “جرب هذه الوصفة”، وإنما يضيف إليها كلمات مثل السموم، المناعة، الهرمونات، الالتهاب، الطاقة، والديتوكس. يخلط العلم بالوهم، والطمأنة بالخطر، والتجربة الشخصية بالحقيقة العامة، حتى يبدو كلامه كأنه معرفة، بينما هو في كثير من الأحيان مجرد يقين مرتب بعناية.

خطورة هذا النوع من الخطاب أنه يعرف جيداً ما يحتاجه الخائفون. الطب الحقيقي، بطبيعته، لا يقدم وعوداً مطلقة. الطبيب الصادق يقول: ربما، غالباً، نحتاج إلى تحليل، قد تظهر أعراض جانبية، سنراقب الحالة، لا توجد نتيجة مضمونة. هذه اللغة أمينة، لكنها مرهقة لمن يبحث عن خلاص سريع. أما المعالج الرقمي فيقدم ما يشبه الخلاص الجاهز: “هذا هو السبب الحقيقي”، “هذه الوصفة آمنة تماماً”، “ستتخلص من المرض نهائياً”، “الأطباء لا يريدونك أن تعرف”. إنه لا يبيع العلاج وحده؛ إنه يبيع الطمأنينة أيضاً. ومع الطمأنينة يبيع وهماً جميلاً بأن العالم مفهوم، وأن الجسد يمكن السيطرة عليه، وأن الألم له مفتاح واحد مخفي.

ولهذا لا يكفي أن نقول إن الناس يصدقون هؤلاء لأنهم لا يعرفون. المعرفة وحدها لا تهزم الخوف. وقد يكون الإنسان متعلماً، مثقفاً، يستخدم أحدث التقنيات، ثم ينهار أمام مرض يهدد حياته أو حياة من يحب. في تلك اللحظة، لا يتصرف العقل وحده. يتحرك داخله الطفل القديم، الإنسان الأول، الذي يريد من يطمئنه لا من يربكه، من يعده لا من يغرقه في الاحتمالات.

وسائل التواصل الاجتماعي لم تخلق الدجل الطبي من العدم. لكنها منحته أجنحة. جعلت حلاق الصحة قادراً على أن يغادر الحارة إلى العالم، وأن يبيع وصفته لمن لا يعرفه ولم يره، وأن يحول الحكاية الفردية إلى “دليل”، والصدفة إلى “تجربة ناجحة”، والخوف إلى سوق مفتوح. الخوارزميات لا تهتم كثيراً بما إذا كان الكلام صحيحاً، وإنما بما إذا كان مثيراً، مؤثراً، قابلاً للمشاركة. وهكذا ينتصر الصوت الواثق أحياناً على الصوت الدقيق، وتسبق الجملة البسيطة المقال العلمي، وتغلب الوصفة السهلة رحلة التشخيص الطويلة.

لكن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالسخرية من الناس. السخرية لا تعالج الخوف، لكنها تدفعه إلى الاختباء. ولا يكون الحل أيضاً في خطاب علمي متعالٍ يكرر للناس أنهم مخطئون وجهلة. فجزء من الأزمة أن الطب الحديث، رغم عظمته، يحتاج أن يستعيد لغته الإنسانية. يحتاج أن يتكلم مع الناس لا فوقهم، وأن يشرح دون أن يهين، وأن يعترف بخوف المريض قبل أن يصحح معلوماته. فالناس لا تترك العلم دائماً لأنها تكرهه، وأحياناً تتركه لأنها لم تشعر أنه رآها بما يكفي.

سيظل الإنسان، ما دام ضعيفاً أمام المرض والموت، يبحث عن معنى للوجع. وسيظل هناك من يستغل هذه الحاجة، يرتدي في كل عصر زياً جديداً: كاهن قديم، معالج شعبي، حلاق صحة، أو مؤثر رقمي بابتسامة واثقة. تتغير الأدوات، وتتغير المنصات، لكن الحاجة العميقة لا تتغير: جسد خائف يريد أن يُشفى، وروح قلقة تريد أن تُطمأن.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الدجل، وإنما ضد الفراغ الذي يسمح للدجل أن يصبح مقنعاً. وهي ليست ضد الوصفة الزائفة وحدها، وإنما ضد برودة الخطاب الذي يترك المريض فريسة لها. فإذا أراد الطب أن ينتصر على حلاق الصحة الجديد، فعليه ألا يكتفي بأن يكون صحيحاً؛ عليه أيضاً أن يكون قريباً، مفهوماً، رحيماً، وقادراً على أن يمنح الإنسان ما ظل يبحث عنه دائماً: علماً لا ينسى أن المريض ليس جسداً فقط، وإنما خوف وحكاية وروح تنتظر من يطمئنها.

د. نهال أحمد يوسف حلاق الصحة الجارديان المصريه