الأربعاء 10 يونيو 2026 03:57 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : قراءة في عقل العبيط

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

العبيط ليس شخصًا قليل الذكاء كما يتصور البعض، فكم من عبقري امتلك عقلًا خارقًا لكنه ظل عبيطًا حتى آخر يوم في حياته. العبط ليس نقصًا في القدرات العقلية، بل هو حالة فكرية متكاملة، ومنظومة متماسكة من الإنكار والعناد والغرور والثقة المطلقة في الجهل.

العبيط كائن استثنائي. يعيش في عالم موازٍ للواقع. يرى الأشياء كما يريد أن يراها، لا كما هي. وإذا اصطدمت الحقائق بقناعاته، فالمشكلة ليست في قناعاته أبدًا، بل في الحقائق نفسها.

العبيط لا يتعلم من التجارب، لأنه مقتنع منذ البداية أنه يعرف كل شيء. ولذلك فإن الحياة بالنسبة له ليست رحلة اكتشاف، بل رحلة إثبات مستمرة أنه على حق مهما كانت النتائج كارثية.

إذا خسر يقول إنه انتصر.

وإذا فشل يقول إن المؤامرة منعته من النجاح.

وإذا سقط يقول إن الأرض هي التي ارتفعت فجأة لتصطدم به.

العبيط لا يبحث عن المعرفة، بل يبحث عن أي معلومة تؤكد جهله.

في السياسة يصبح العبيط أكثر خطورة.

فالعبيط السياسي لا يحتاج إلى برنامج أو رؤية أو خبرة. يكفيه أن يصرخ بصوت مرتفع وأن يعد الناس بالجنة على الأرض خلال أسبوعين.

يقول للناس: سأحل كل المشكلات.

وحين يسأله أحد: كيف؟

يغضب ويتهمه بالخيانة.

العبيط السياسي يكره الأسئلة لأنها العدو الطبيعي للعبط.

ولهذا تجد الجماهير العبيطة تنجذب إليه كما تنجذب الفراشات إلى النار.

فهو يقدم لهم ما يحبون سماعه لا ما يحتاجون إلى معرفته.

يبيع لهم الأحلام بالتقسيط، والأوهام بالجملة، والكوارث في عبوات أنيقة.

خذ نموذجًا مثل ترامب أو غيره من رموز الشعبوية السياسية حول العالم.

فالمسألة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في الظاهرة نفسها.

ظاهرة القائد الذي يكتشف أن بعض الناس لا يريدون الحقيقة بقدر ما يريدون من يؤكد لهم ما يؤمنون به مسبقًا.

فيمنحهم شعورًا بالتفوق دون جهد، ويقدم لهم إجابات سهلة لمشكلات معقدة، ويحول السياسة من علم وإدارة ومسؤولية إلى عرض مسرحي كبير.

وهذه هي البيئة المثالية التي يزدهر فيها العبط السياسي.

فالعبيط يعشق الجمل القصيرة.

ويخاف من التفاصيل.

ويعتبر الخبراء أعداءً شخصيين له.

كلما زادت معرفتك قلَّت ثقة العبيط بك.

وكلما زادت ثقتك بنفسك رغم جهلك، زادت شعبيتك عنده.

ومن هنا نفهم سر انتشار الشخصيات الشعبوية في أنحاء كثيرة من العالم.

فالعبيط لا يريد قائدًا يفكر.

بل يريد قائدًا يشبهه.

يتحدث بلغته.

يغضب مثله.

ويكره من يكرههم.

ويعده بأنه سيعيد له أمجادًا لم يعشها أصلًا.

إنها تجارة الحنين الكاذب.

بيع الماضي للذين لم يعرفوه.

وبيع المستقبل للذين لن يروه.

وفي الحياة اليومية أيضًا يزدهر العبط.

العبيط في العمل يعتقد أن المدير يكرهه.

والزملاء يحسدونه.

والشركة ستنهار لو غادرها.

بينما الحقيقة أن أحدًا بالكاد يتذكر اسمه بعد انتهاء الدوام.

العبيط في المنزل خبير في كل شيء.

يفتي في الطب وهو لم يقرأ كتابًا طبيًا.

ويحلل الاقتصاد وهو لا يعرف الفرق بين الميزانية والفاتورة.

ويتحدث عن السياسة الدولية وكأنه يدير الكوكب من غرفة نومه.

أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد منحت العبط أعظم هدية في التاريخ.

في الماضي كان العبيط يجلس على المقهى فيسمعه عشرة أشخاص.

أما اليوم فيستطيع أن يخاطب الملايين.

بل ويجد آلافًا من العبطاء الآخرين الذين يصفقون له ويشجعونه ويؤكدون له أنه عبقري مظلوم.

وهكذا يتحول الجهل الفردي إلى مشروع جماعي.

ويتحول الوهم إلى رأي عام.

ويتحول الصراخ إلى حجة.

ويتحول عدد الإعجابات إلى دليل على صحة الكلام.

العبيط لا يراجع نفسه.

لأن مراجعة النفس تحتاج إلى شجاعة.

والاعتراف بالخطأ يحتاج إلى نضج.

أما العبط فيعيش على الوقود الأرخص:

الكبرياء الفارغ.

ولهذا يفضل أن يخسر العالم كله على أن يعترف بخطأ واحد.

والمفارقة العجيبة أن أخطر أنواع العبط ليس ذلك الذي يضحكنا.

بل ذلك الذي يقنع الناس بأنه المنقذ.

ذلك الذي يجعل الجهل فضيلة.

والعلم تهمة.

والتفكير ضعفًا.

والشك في الشعارات خيانة.

حينها لا يصبح العبط مشكلة فردية، بل أزمة مجتمع بأكمله.

والحقيقة التي لا يحب العبيط سماعها هي أن الذكاء ليس أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف حدود ما تعرفه.

وأن القوة ليست في الصراخ، بل في الفهم.

وأن الإنسان العظيم ليس من يرفض الاعتراف بأخطائه، بل من يتعلم منها.

أما العبيط فهو الكائن الوحيد القادر على الاصطدام بالحائط ألف مرة، ثم يخرج في المرة الألف والأولى ليعلن بثقة مطلقة:

لقد أثبتُّ أن الحائط هو المخطئ.

وهكذا تستمر الحياة...

ويستمر الحائط...

ويستمر العبيط أيضًا...

كأحد أكثر الموارد الطبيعية تجددًا على كوكب الأرض.

والٱن فإن السؤال الأهم ليس: كيف نضحك من العبيط؟

بل كيف نتجنب أن نصبح مثله؟

فالعبط في حقيقته ليس مرضًا يصيب الآخرين فقط، وإنما هو احتمال قائم داخل كل إنسان. وكلما ظن المرء أنه محصن ضد الخطأ، اقترب من الوقوع فيه. وكلما اعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، بدأ يسير في الطريق ذاته الذي سار فيه آلاف العبطاء قبله.

ولهذا فإن أفضل وسيلة للتعامل مع العبيط ليست السخرية منه فقط، وإنما محاولة فهم الآلية التي يعمل بها عقله. كيف يفكر؟ وكيف يصل إلى استنتاجاته؟ ولماذا يتمسك بخطئه رغم وضوح الحقيقة أمامه؟

إن فهم العبط لا يعني تبريره، كما أن دراسة المرض لا تعني الرضا به. لكنه يمنحنا مناعة فكرية تحمينا من الوقوع في المصيدة نفسها.

فالعبيط غالبًا لا يبدأ عبيطًا، وإنما يبدأ متعجلًا، ثم يتحول التعجل إلى عادة، والعادة إلى قناعة، والقناعة إلى عقيدة لا تقبل النقاش.

والعبيط لا يولد وهو يرفض الحقائق، لكنه يعتاد سماع ما يرضيه فقط، حتى يصبح عاجزًا عن تقبل أي رأي يخالفه.

ولهذا فإن أول طريق النجاة من العبط هو أن نتعلم الاستماع قبل الكلام، وأن نفهم قبل أن نحكم، وأن نبحث قبل أن نصدق.

علينا أن نتعامل مع المعلومات بحذر، ومع الشائعات بشك، ومع الشعارات بعقل، ومع العواطف بميزان من الحكمة.

فليس كل من صرخ كان محقًا، وليس كل من صفق له الناس كان صادقًا، وليس كل ما يتداوله الملايين حقيقة.

لقد علمتنا الحياة أن الكثرة ليست دليلًا على الصواب، وأن الضجيج ليس برهانًا، وأن الثقة الزائدة كثيرًا ما تكون غطاءً لجهل عميق.

ومن هنا فإن أخطر ما يفعله العبيط بنا ليس أنه يزعجنا أو يثير غضبنا، بل أنه يحاول أن يسحبنا إلى طريقته في التفكير. يحاول أن يجعل الانفعال بديلًا للعقل، والتعصب بديلًا للفهم، واليقين الأعمى بديلًا للمعرفة.

وإذا أردنا أن نتلافى ذلك فعلينا أن نحتفظ دائمًا بمسافة آمنة بيننا وبين أي فكرة مهما أحببناها، وأن نمنح أنفسنا الحق في مراجعة آرائنا إذا ظهرت أدلة جديدة، وأن ندرك أن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة بل علامة على النضج العقلي والإنساني.

كما يجب أن نتذكر دائمًا أن الإنسان لا يُقاس بعدد المعلومات التي يحفظها، وإنما بقدرته على التعلم المستمر. وأن أعظم العقول في التاريخ لم تكن تلك التي ادعت امتلاك الحقيقة الكاملة، بل تلك التي ظلت تبحث عنها حتى آخر لحظة.

إن العبيط يرى الشك ضعفًا، بينما يراه العاقل بداية للفهم.

ويرى السؤال خطرًا، بينما يراه المفكر مفتاحًا للمعرفة.

ويرى النقد إهانة، بينما يراه الإنسان الناضج فرصة للتصحيح.

ولذلك فإن النجاة من العبط تبدأ حين نتواضع أمام الحقيقة، ونعترف بأن عقولنا ليست معصومة، وأننا جميعًا معرضون للخطأ.

وحين نفعل ذلك سنكتشف أن أكبر معركة في الحياة ليست مع العبيط الذي يقف أمامنا، وإنما مع ذلك العبيط الصغير الذي يحاول أن يستيقظ داخل كل واحد منا بين الحين والآخر.

فإذا انتصرنا عليه، انتصرنا على الجهل والغرور والتعصب.

وإذا هزمنا، فلن نحتاج إلى البحث عن العبطاء حولنا، لأننا سنصبح واحدًا منهم دون أن نشعر.

ولهذا، لا تكره العبيط بقدر ما تعلم منه. لا لتقلده، بل لتعرف الطريق الذي يجب ألا تسلكه. راقب أخطاءه، وتأمل عثراته، وافهم كيف قادته الثقة العمياء إلى ما وصل إليه، ثم اجعل من ذلك درسًا يحميك ويحمي أبناءك ومجتمعك.

فالعاقل لا يتعلم من نجاحاته فقط، بل يتعلم أيضًا من أخطاء الآخرين.

أما العبيط... فإنه يتعلم من لا شيء، ويكرر كل شيء، ثم يندهش في كل مرة من النتيجة نفسها.

وتلك، في النهاية، هي المأساة الحقيقية...

والكوميديا أيضًا.

حسين السمنودى قراءة في عقل العبيط الجارديان المصريه