الخميس 11 يونيو 2026 02:40 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب: الصومال من الفوضى الى النمو الاقتصادى

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

حين تذكر الصومال يتبادر فى اذهان الكثيرين صور الحروب والمجاعات والانهيار الامنى التى تعرضت لها لكن خلف هذه الصورة التقليدية بدأت ملامح قصة مختلفة تتشكل بهدوء قصة اقتصاد يحاول النهوض من تحت الركام بسرعة لافته رغم كل الازمات التى مازالت تضرب البلاد .
فطبقا لتقديرات مؤسسات دولية حقق الاقتصاد الصومالى معدلات نمو تراوحت خلال السنوات الاخيره بين 3% و4% سنويا وهى ارقام ليست بسيطة بالنسبة لدولة خرجت من عقود طويلة من الفوضى والانهيار المؤسسى كما تشير التقديرات الى الناتج المحلى الاجمالى للصومال تجاوز 16 مليار دولار مع توقعات بمزيد من النمو إذا استمرت الإصلاحات الاقتصادية بهذه الوتيرة مع تحسن الوضع الأمنى
الأمر اللافت أن الاقتصاد الصومالى لا يعتمد على النفط أو الثروات الضخمة فقط بل يعتمد بصورة اساسية على النشاط التجارى وتحويلات المغتربين فالصوماليون بالخارج يرسلون سنويا ما يقارب من 1,5 الى 2 مليار دولار الى أسرهم داخل البلاد وهو رقم يمثل شريان حياة حقيقيا للاقتصاد المحلى. بل يتجاوز حجم المساعدات الدولية فى بعض السنوات.
أما قطاع الاتصالات فيعد من أكثر القطاعات نموا فى افريقيا ورغم غياب الدولة لفترات طويلة استطاعت شركات الاتصالات الصومالية بناء خدمات متطورة بإسعار منخفضة نسبيا حتى اصبحت خدمات الدفع الالكترونى عبر الهاتف المحمول جزءا اساسيا من الحياة اليومية فى مشهد قد يفوق بعض الدول الاكثر استقرارا.
كذلك تمتلك الصومال واحدة من اكبر الثروات الحيوانية فى المنطقة حيث تصدر ملايين الرؤوس من الأغنام والابل والابقار سنويا الى دول الخليج وخاصة خلال موسم الحج ما يوفر مصدرا مهما للعملة الصعبة
ولا يمكن تجاهل الموقع الجغرافى الاستراتيجى للصومال فهى تمتلك أطول ساحل فى افريقيا بطول يتجاوز 3300 كيلومتر على المحيط الهندى وخليج عدن وتقع بالقرب من أحد أهم طرق التجارة العالمية التى تمر عبر باب المندب وهو مايمنحها فرصا ضخمة فى مجالات الموانى والخدمات اللوجستية والتجارة البحرية
الأكثر اثارة أن تقارير جيولوجية تتحدث عن احتياطيات واعدة من النفط والغاز قد تغير مستقبل البلاد اقتصاديا أذا احسن استغلالها بعيدا عن الفساد والصراعات
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية تبقى الحقيقة أن الصومال مازال يواجه تحديات هائلة فالفقر لا يزال واسع الانتشار والبنيه التحتية ضعيفة والبطالة مرتفعة كما أن التهديدات الأمنية مازالت تؤثر على الاستثمارات والاستقرار
لكن التجربة الصومالية تحمل رسالة مهمة للغاية أن الشعوب يمكن ان تنهض حتى من قلب الفوضى وأن الاقتصاد لاينمو فقط بالموارد بل ايضا بالإرادة والعمل والتجارة والانفتاح على المستقبل
وربما يكون السؤال الاهم الآن :
إذا كانت دولة عانت لعقود من الحروب استطاعت أن تبدأ رحلة التعافى والنمو .. فماذا ينقص الدول المستقرة كى تحقق نهضة حقيقية ؟

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة الصومال من الفوضى الى النمو الاقتصادى الجارديان المصريه