الأحد 14 يونيو 2026 02:26 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب : نحن نحب لأننا لا بد أن نحب

د. محمد هناء الدين
د. محمد هناء الدين

في لحظة تأمل عميقة، يقف الإنسان أمام مرآة ذاته ليسأل
لماذا نحب؟
ويجد أن الإجابة لا تكمن في اختيار، بل في ضرورة. نحن نحب لأننا لا بد أن نحب، لأن الحب ليس مجرد عاطفة عابرة تزور القلب ثم ترحل، بل هو قانون كوني يحكم وجودنا ويُعطيه معنى. فالإنسان، ببنيته الوجودية، كائن اجتماعي بطبعه، لا يستطيع العيش في عزلة تامة دون أن يُحِبّ أو يُحَبّ. إنه شرط من شروط بقائه، وسرّ من أسرار كماله.

من الناحية العلمية، يُثبت العلم أن الحب ليس مجرد شعور رومانسي، بل هو آلية بقاء مُبرمجة في خلايانا. الهرمونات كالأوكسيتوسين والدوبامين لا تُفرَز عبثاً؛ بل هي رسائل كيميائية تُخبرنا أن الارتباط بالآخر ضرورة حياتية. الطفل الذي يُحرَم من الحب في سنواته الأولى يتأخر نموه العقلي والجسدي، وقد يُعاني من اضطرابات نفسية مدى الحياة. هنا، لا يكون الحب ترفاً فكرياً، بل غذاءً روحياً كالهواء للرئتين.

نفسياً، يُشكّل الحب درعاً واقياً من وحشة الوجود. فرديناند يونغ، عالم النفس العميق، يرى أن العلاقة الإنسانية الصحية هي السبيل الوحيد لعلاج الجراح الداخلية. نحن نحب لأننا نُريد أن نُشفى، نُريد أن نُكمل ما ينقصنا، نُريد أن نرى ذواتنا في عيون من يُحبّوننا.

في الفلسفة، يذهب مارتن بوبر إلى أن الحقيقية الإنسانية تتجلّى في العلاقة "أنا-أنت"، لا في العلاقة "أنا-هو". فالإنسان يُصبح إنساناً حقاً حينما يُقابل الآخر بكليته، لا كأداة أو كائن مادي. الحب هنا ليس اختياراً عقلياً، بل هو الطريقة التي نُوجَد بها. نحن لا نختار الحب كما نختار لون قميص؛ نحن نُوجَد في الحب، أو لا نُوجَد على الإطلاق.
جون بول سارتر، رغم تشاؤمه، يعترف بأن "الجحيم هو الآخرون"، لكنه في الوقت ذاته يُدرك أن "الآخر" هو الذي يُعطينا شكلاً وبُعداً. نحن نحتاج إلى نظرة الآخر لنرى ذواتنا. نحن نحب لأننا نُريد أن نكون، نُريد أن نُؤكّد وجودنا، نُريد أن نتجاوز أنانية الذات إلى أفق أرحب يتسع لـ"نحن"
في الأديان والتصوف، يُصبح الحب السُّلّم الذي يُوصِل الإنسان إلى المطلق.
و يقال: "ما جُرِحتُ بسيفٍ أشدّ من الحب". والحب هنا ليس ضعفاً، بل قوة تُحطّم الحواجز بين الذات والكون. العارف بالله لا يحب الله اختياراً، بل يحبه لأنه لا يستطيع ألاّ يحبه فالوجود كله مدوّن بأحرف من نور المحبّة.

حتى في الفلسفات العلمانية، يبقى الحب التجربة التي تُقارب الماورائي. حينما نحب، نتجاوز حدود الزمان والمكان، نلمس لحظة من الأبدية. نحن نحب لأننا نبحث عن المعنى، ولا معنى بلا حب.
لكن الحب ليس فقط شعوراً، بل هو عمل. إريك فروم في "فن الحب" يُفرّق بين "الوقوع في الحب" و"البقاء في الحب". الأولى عاطفة عابرة، والثانية قرار ومسؤولية. نحن نحب لأننا نُريد أن نُعطي، لا أن نأخذ فقط. الحب الحقيقي هو قدرة على الاهتمام، على الاستماع، على التضحية، على قبول الآخر بكل ما فيه من نقص وجمال.

في عالم يتجه نحو الاستهلاك والعلاقات السريعة، يصبح الحب العميق ثورياً. أن تحبّ في زمن التباعد، أن تُحافظ على العلاقة في زمن السهولة والاستبدال، أن تختار البقاء حينما يكون الرحيل أسهل هذا هو الجُرْأة الإنسانية الحقيقية.
نحن نحب لأننا لا بد أن نحب، ليس كعبودية لمشاعرنا، بل كإدراك لحقيقة وجودنا. الحب هو الذي يُميّز الإنسان عن الحجر، هو الذي يُضفي على الحياة طعماً ولوناً. نحن نحب لأننا نُريد أن نُحارب الفناء، أن نُخلّد لحظاتنا في قلوب من نُحبّهم، أن نترك أثراً يبقى بعد رحيلنا.
في النهاية، ليس السؤال لماذا نحب؟
بل السؤال كيف نحب بعمق وبجدارة؟
فالحب ليس ضعفاً، بل هو أقوى ما فينا. هو الذي يُمكّننا من مواجهة عبث الوجود بابتسامة، ومن قول "نعم" للحياة رغم كل جراحها. نحن نحب لأننا لا بد أن نحب، وهذا في حد ذاته أجمل ما في كوننا الإنساني.
الحب ليس مجرد جزء من الحياة، بل هو الحياة نفسها.

د. محمد هناء الدين نحن نحب لأننا لا بد أن نحب الجارديان المصريه