السبت 20 يونيو 2026 12:55 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب: بين التكفير والتفكير... معركة العقل في مواجهة الظلام

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

التكفير والتفكير... كلمتان لا يفصل بينهما في المبنى إلا تقديم حرف على حرف، ولكن بينهما في المعنى مسافة شاسعة تمتد من ظلمات الجهل إلى أنوار المعرفة، ومن ضيق الأفق إلى سعة العقل، ومن التعصب الأعمى إلى الحكمة والبصيرة. وإذا كان التفكير هو الجسر الذي تعبر به الأمم نحو الحضارة والتقدم، فإن التكفير بغير حق هو الهاوية التي تسقط فيها المجتمعات حين يختلط الدين بالأهواء، وتُستبدل الحجة بالصوت المرتفع، والعلم بالادعاء، والحكمة بالغلو.
لقد جاءت الأديان السماوية لتوقظ العقل لا لتغلقه، ولتحرر الإنسان من عبودية الجهل لا لتسجنه داخل أسوار التعصب. ومن يتأمل القرآن الكريم يجد عشرات الآيات التي تدعو إلى التفكر والتدبر والنظر في الكون والنفس والحياة، حتى أصبح التفكير فريضة إيمانية قبل أن يكون ضرورة إنسانية. فالعقل في الإسلام ليس خصماً للنص، بل هو وسيلة لفهمه واستيعاب مقاصده، ولذلك كان العلماء والمفكرون عبر التاريخ الإسلامي هم بناة الحضارة وصناع النهضة وحملة مشاعل المعرفة.
غير أن بعض الناس اختصروا الدين في أحكام التكفير والتبديع والتخوين، وكأنهم أوصياء على قلوب البشر ومفاتيح الجنة والنار بأيديهم. هؤلاء لم يدركوا أن الحكم على العقائد أمر بالغ الخطورة، وأن إطلاق كلمة الكفر على الناس ليس لعبة لغوية ولا وسيلة للانتصار في الجدل الفكري. فالتكفير سلاح خطير إذا وقع في يد الجاهل أحرق المجتمع قبل أن يصيب خصمه، ومزق وحدة الأمة قبل أن يحقق أي غاية يتوهمها أصحابه.
ولعل أخطر ما في ثقافة التكفير أنها تقتل التفكير نفسه. فحين يُمنع السؤال خوفاً من الاتهام، ويُحاصر الاجتهاد خشية التكفير، ويُهاجم العلماء والمفكرون لأنهم يخالفون رأياً سائداً، فإن العقل يدخل في حالة من الشلل، ويتحول المجتمع إلى بيئة طاردة للإبداع والبحث والمعرفة. فالتاريخ يخبرنا أن الأمم التي حاربت الفكر تراجعت، والأمم التي احترمت العقل تقدمت، لأن الحضارة لا تُبنى بالخوف وإنما تُبنى بالعلم.
إن المكفر غالباً لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الإدانة. فهو يبدأ من النتيجة ثم يفتش عن الأدلة التي تخدمها، بينما المفكر يبدأ بالسؤال ثم يسعى وراء الجواب حيثما وجده. المكفر يرى العالم بلونين فقط: أبيض وأسود، مؤمن وكافر، صواب مطلق وخطأ مطلق، أما المفكر فيدرك أن الحياة أكثر تعقيداً من ذلك، وأن فهم البشر نسبي، وأن الحقيقة تحتاج إلى بحث وصبر وتواضع.
ومن المؤسف أن بعض دعاة الغلو نجحوا في استدراج كثير من الشباب عبر شعارات براقة تخاطب العاطفة أكثر مما تخاطب العقل. فيصورون لأنفسهم أنهم حراس العقيدة والمدافعون عن الدين، بينما هم في الحقيقة يسيئون إلى الدين حين يجعلونه مرادفاً للقسوة والعداء والإقصاء. فالدين الذي انتشر بالأخلاق والرحمة والعلم لا يمكن أن يحيا بالكراهية والتشدد وإلغاء الآخر.
إن المجتمعات التي يسود فيها التفكير تعرف كيف تدير خلافاتها بالحوار، وكيف تختلف دون أن تتقاتل، وكيف تتنوع دون أن تتفكك. أما المجتمعات التي ينتشر فيها التكفير فإنها تدخل في دوامة لا تنتهي من الصراعات والانقسامات، لأن كل فريق يرى نفسه ممثلاً للحقيقة المطلقة، ويرى غيره خارجاً عنها. وهنا يصبح الخلاف الفكري معركة وجود، وتتحول الآراء إلى خنادق، وتضيع المصلحة العامة وسط ضجيج الاتهامات.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية في عصرنا ليست بين أشخاص أو جماعات، وإنما بين ثقافتين متناقضتين: ثقافة التفكير التي تبني الإنسان، وثقافة التكفير التي تهدمه. ثقافة السؤال في مواجهة ثقافة المصادرة، وثقافة الحوار في مواجهة ثقافة الإقصاء، وثقافة العلم في مواجهة ثقافة الجهل المغلف بشعارات دينية.
ولا يعني الدفاع عن التفكير الانفلات من الثوابت أو التمرد على الدين، بل يعني فهم الدين فهماً صحيحاً يقوم على العلم والوعي والرحمة. فالعقل السليم لا يناقض الإيمان الصادق، بل يعمقه ويقويه. وكلما اتسعت دائرة المعرفة اتضحت للإنسان عظمة الخالق واتساع حكمته.
إن الأمة التي تريد أن تستعيد مكانتها لا تحتاج إلى مزيد من المكفرين، بل تحتاج إلى مزيد من المفكرين. تحتاج إلى علماء يضيئون الطريق، ومربين يغرسون قيم الحوار، ومثقفين يدافعون عن العقل، وشباب يملكون الشجاعة ليسألوا ويتعلموا ويفكروا. فالأفكار لا تُهزم بالتكفير، وإنما تُهزم بالفكر الأقوى والحجة الأوضح والبرهان الأصدق.
وختاما لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس الفقر ولا قلة الموارد، بل موت العقل واستسلامه لمن يطلب منه أن يتوقف عن التفكير. فحين يتحول التكفير إلى ثقافة، يصبح الاختلاف جريمة، والسؤال تهمة، والاجتهاد خطيئة، وتُغلق أبواب النهضة قبل أن تُفتح. وحينها لا يخسر المفكر وحده، بل يخسر المجتمع بأكمله فرصة التقدم والنهوض.
إن الأوطان لا تُبنى بالأصوات العالية، ولا بالشعارات الغاضبة، ولا بإقصاء المخالفين، وإنما تُبنى بعقول واعية تعرف كيف تفكر قبل أن تحكم، وكيف تناقش قبل أن تتهم، وكيف تبحث عن الحقيقة قبل أن تدّعي امتلاكها. فالعقل الذي يقرأ ويتأمل ويتدبر هو أعظم حصن ضد التطرف والغلو، وهو السلاح الحقيقي الذي يحمي المجتمعات من السقوط في مستنقعات الجهل والتعصب.
لقد علمتنا التجارب أن كل فكرة عظيمة بدأت بسؤال، وأن كل حضارة كبيرة قامت على أكتاف رجال ونساء امتلكوا شجاعة التفكير، ولم يخافوا من البحث والمعرفة. أما الذين حاربوا العقول وأغلقوا أبواب الاجتهاد، فلم يتركوا وراءهم إلا الخراب والانقسام والتراجع. فالتاريخ لا يخلد أصحاب الصراخ، بل يخلد أصحاب الفكر، ولا يذكر من أشعلوا الفتن، بل يذكر من أضاءوا العقول.
ومن هنا فإن مسؤولية كل إنسان اليوم أن يكون جزءاً من معركة الوعي، وأن يدافع عن قيمة التفكير كما يدافع عن أعظم المبادئ، لأن الأمم التي تفكر تستطيع أن تتجاوز أزماتها، وأن تصنع مستقبلها بيديها، أما الأمم التي تستسلم للتكفير والتخوين وإلغاء الآخر فإنها تبقى أسيرة الماضي، تدور في حلقات مفرغة من الصراع لا تنتهي.
فلنمنح العقل مكانته التي أرادها الله له، ولنجعل الحوار بديلاً عن الاتهام، والعلم بديلاً عن الجهل، والحجة بديلاً عن الشتيمة، والفكر بديلاً عن التكفير. ولندرك أن قوة الإنسان لا تكمن في قدرته على إقصاء الآخرين، بل في قدرته على فهمهم ومحاورتهم وإقناعهم. فالكلمة الواعية قد تبني جيلاً، والفكرة المستنيرة قد تنقذ أمة، والعقل الحر قد يفتح أبواباً من الخير لا تفتحها آلاف الصراعات.
وسيظل التفكير نوراً يهدي إلى الرشد، وستظل المعرفة طريقاً إلى النهضة، وسيبقى العقل أعظم نعمة أُعطيت للإنسان. أما التكفير بغير علم وعدل، فلن يكون يوماً طريقاً إلى الإصلاح، بل باباً واسعاً للفوضى والانقسام. ولذلك فإن المستقبل لن يكون لمن يرفعون أصابع الاتهام في وجوه الناس، بل لمن يحملون مشاعل العلم والفهم والوعي، ويؤمنون أن بناء الإنسان يبدأ من احترام عقله، وأن نهضة الأوطان تبدأ من تحرير الفكر، وأن أعظم انتصار يمكن أن تحققه أمة هو أن تنتصر للعقل دون أن تفقد إيمانها، وأن تتمسك بدينها دون أن تتخلى عن تفكيرها.

حسين السمنودى بين التكفير والتفكير... معركة العقل في مواجهة الظلام الجارديان المصريه