الأحد 21 يونيو 2026 12:08 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عمرو النعماني يكتب : إما قانون رادع.. أو مزيد من الضحايا

الكاتب الكبير عمرو النعمانى
الكاتب الكبير عمرو النعمانى

لم تكن بائعة الشاي التي لقيت مصرعها في حدائق الأهرام تعلم أن رحلة البحث عن لقمة العيش ستنتهي تحت عجلات سيارة يقودها طفل لم يبلغ السن القانونية ، خرجت لتكسب رزق يومها فعادت إلى أسرتها جثمانا، لتضاف إلى قائمة ضحايا ظاهرة باتت تتكرر بصورة مقلقة، هي ظاهرة قيادة الأطفال والمراهقين للسيارات في الشوارع والطرق العامة بصورة جنونية

ورغم فداحة الحادث، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بهذه الواقعة وحدها، بل يتعلق بواقع أصبح مألوفا في كثير من المناطق السكنية والقرى والمنتجعات والأحياء الراقية على حد سواء ، أطفال لم يبلغوا السن القانونية يجلسون خلف عجلة القيادة، وأسر تتعامل مع الأمر باعتباره نوعا من التدليل أو التفاخر أو إثبات المكانة الاجتماعية، غير مدركة أنها قد تكون بصدد صناعة جريمة في أي لحظة

القانون لم يحدد سن الحصول على رخصة القيادة عبثا ، فالأمر يرتبط بالنضج العقلي والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية وإدراك المخاطر ، لذلك فإن قيادة طفل لسيارة ليست مجرد مخالفة مرورية، وإنما اعتداء مباشر على حق المواطنين في الأمن والسلامة، لأن الطريق العام ليس ملكية خاصة لأحد، وإنما مساحة مشتركة يجب أن تخضع للقانون وحده.

غير أن الواقع الحالي يكشف عن فجوة تستوجب المراجعة ، فالقوانين الموجودة تلاحق المخالفة بعد وقوعها، بينما المطلوب اليوم هو تشريعات أكثر حسما تمنع وقوع الكارثة من الأساس ، فكم من حادث كان يمكن تفاديه لو شعر الأب أو ولي الأمر أن العقوبة ستطاله شخصيا إذا سمح لقاصر بقيادة سيارة دون رخصة

إن جوهر الأزمة لا يكمن في الطفل وحده، بل فيمن أعطاه مفتاح السيارة، فالطفل مهما بلغت درجة إدراكه يظل تحت ولاية أسرته، والمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق الأب أو الأم أو مالك السيارة الذي سمح بارتكاب هذه المخالفة. ولذلك فإن أي معالجة حقيقية لهذه الظاهرة يجب أن تبدأ من تحميل أولياء الأمور المسؤولية القانونية الكاملة عن أفعال أبنائهم القُصّر عندما يتعلق الأمر بقيادة المركبات.

لقد تغير الزمن كثيرا ، أطفال اليوم ليسوا كأطفال الأمس ، نحن أمام جيل يتعامل مع التكنولوجيا الحديثة منذ سنواته الأولى، ويدرك جيدًا طبيعة أفعاله ونتائجها. ومن ثم فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب قوانين تواكب هذا التطور المجتمعي، وتغلق الثغرات التي تسمح للبعض بالهروب من المسؤولية تحت ستار حداثة السن

ومن هنا يصبح من الضروري أن يفتح البرلمان حوارًا جادًا حول تعديل بعض النصوص القانونية، بما يسمح بتغليظ العقوبات على كل من يمكن قاصرًا من قيادة سيارة، سواء كان ولي أمره أو مالك المركبة. كما يجب أن تشمل العقوبات إجراءات رادعة تتناسب مع حجم الخطر، لأن القضية لم تعد مجرد مخالفة مرورية، بل أصبحت مسألة تتعلق بحماية أرواح المواطنين.
ولا تقل أهمية التشريع عن أهمية الوعي. فمهما بلغت صرامة القوانين، ستظل الأسرة خط الدفاع الأول. فالاحترام الحقيقي للقانون يبدأ من المنزل، ويبدأ عندما يدرك الأب أن تسليم مفتاح السيارة لابنه القاصر جريمة تستوجب العقاب له ولابنه ، لأن من يدفع ثمن هذا الاستهتار هم الابرياء الذين لا ذنب لهم

إن دماء بائعة الشاي وغيرها من الضحايا يجب ألا تتحول إلى مجرد خبر في صفحات الحوادث ، المطلوب أن تكون هذه المأساة نقطة انطلاق لمواجهة حقيقية مع ظاهرة تهدد المجتمع بأسره. فالدولة التي تسابق الزمن لبناء الجمهورية الجديدة مطالبة أيضا بتطوير تشريعاتها بما يحفظ أرواح المواطنين ويصون حقهم ..

عمرو النعماني إما قانون رادع.. أو مزيد من الضحايا الجارديان المصريه