الأربعاء 24 يونيو 2026 01:21 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : الركام

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

في بعض المشاهد تتجاوز الصورة حدود الخبر، وتتحول إلى وثيقة تكشف ما يدور في أعماق المجتمع. وصورة وزير التربية والتعليم وهو يعاين آثار التخريب داخل مدرسة روافع القصير تحمل من الدلالات ما يفوق كثيرًا ما تحمله الكلمات والتقارير والبيانات الرسمية.
على الأرض بقايا مقاعد حُطِّمت، ومرافق نالتها أيدي العبث، وجدران شهدت لحظات غضب منفلت من كل قيمة تربوية. وفي قلب المشهد وقف الوزير يتفقد المكان، وكأن الدولة كلها جاءت لتقرأ رسالة كُتبت فوق أنقاض مدرسة. المدرسة ليست جدرانًا وسقفًا وأبوابًا ونوافذ. المدرسة ذاكرة وطن، ومصنع وعي، ومكان تُصاغ فيه شخصية الإنسان منذ سنواته الأولى. وحين تمتد يد التخريب إلى هذا المكان، فإن القضية تتجاوز الخشب المكسور والزجاج المحطم إلى مساحة أعمق وأخطر تتصل بالوعي والانتماء والمسؤولية. المشهد يفرض سؤالًا كبيرًا على المجتمع المصري بأسره: كيف وصل بعض الطلاب إلى مرحلة يرون فيها أن نهاية الامتحانات مناسبة لتحطيم ممتلكات المدرسة؟ وكيف ترسخت لدى بعض العقول فكرة تجعل الاعتداء على المكان الذي احتضن سنوات الدراسة فعلًا يستحق الاحتفال والتصوير والتفاخر؟
القضية هنا ليست قضية جيل، فالأجيال المصرية المتعاقبة عرفت الفرح، وعاشت لحظات النجاح، وغادرت المدارس إلى مراحل جديدة من الحياة، وظلت المدرسة تحتفظ بمكانتها وهيبتها واحترامها. أما ما جرى في هذه الواقعة فيعكس أزمة قيم تحتاج إلى قراءة متأنية وشجاعة. المدرسة التي تتعرض للتخريب تدفع ثمن خلل ممتد في دوائر متعددة. الأسرة تمثل الدائرة الأولى في تشكيل الضمير، والمجتمع يشكل الدائرة الثانية، والمؤسسات التعليمية تأتي في قلب عملية البناء. وحين يظهر هذا السلوك العنيف تجاه الممتلكات العامة، فإن الجميع مدعو إلى مراجعة دوره ومسؤوليته.
القيمة التي تحتاج إلى استعادة عاجلة هي قيمة الانتماء. الانتماء الذي يجعل الطالب يرى في مقعده جزءًا من حقه، وفي فصله الدراسي مساحة تخصه، وفي مدرسته بيتًا ثانيًا يحمل ذكرياته وأحلامه. هذه القيمة العظيمة تحمي الممتلكات أكثر مما تحميها الأقفال والكاميرات والعقوبات. ولذلك جاء قرار إلزام أولياء أمور الطلاب المتسببين في التخريب بتحمل تكاليف الإصلاح قرارًا يحمل بعدًا تربويًا عميقًا. فالرسالة التي خرجت إلى المجتمع واضحة وصريحة: المسؤولية لها ثمن، والخطأ يترتب عليه التزام، والحقوق العامة تتمتع بالحماية والاحترام.
هذا القرار يعيد الاعتبار لمبدأ تربوي أصيل يقوم على تحمل نتائج السلوك. فكل مجتمع قوي يربط بين الفعل ونتيجته، ويغرس في نفوس أبنائه أن الممتلكات العامة ليست بلا صاحب، وإنما هي ملك لكل مواطن، وحق لكل طالب، وثروة للأجيال القادمة.
ومن زاوية أخرى، تحمل زيارة الوزير بنفسه أهمية استثنائية. فالميدان يروي ما تعجز الأوراق عن نقله، والصور المباشرة تكشف ما لا تستطيع التقارير وصفه بدقة. وحضور المسؤول إلى موقع الحدث يمنح الرسالة قوتها وهيبتها، ويؤكد أن المؤسسة التعليمية تحظى باهتمام الدولة ورعايتها.
لقد حملت الزيارة معاني عديدة؛ معاني الحزم، ومعاني المتابعة، ومعاني احترام المدرسة باعتبارها إحدى ركائز الأمن القومي الفكري والثقافي. فالتعليم ليس ملفًا إداريًا فحسب، وإنما مشروع وطن كامل يصنع مستقبله من داخل الفصول الدراسية. وحين ننظر إلى المقاعد المحطمة، فإننا نرى أكثر من قطع خشب متناثرة. نرى قصة تحتاج إلى معالجة، ورسالة تستحق الفهم، وتحديًا يتطلب العمل. فالمعركة الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان القادر على احترام ذاته واحترام مجتمعه واحترام الممتلكات التي تخدمه.الأمم المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه عبر المباني الحديثة وحدها، وإنما عبر منظومة قيم جعلت المواطن يحافظ على المرفق العام كما يحافظ على منزله الخاص. وحين تتحول المدرسة إلى قيمة راسخة في الوجدان، تصبح حمايتها سلوكًا تلقائيًا يمارسه الجميع دون توجيه أو رقابة. إن الواقعة التي شهدتهاالمدرسة تفتح الباب أمام مراجعة واسعة لبرامج التربية الوطنية، وأنشطة بناء الشخصية، ودور الإعلام والأسرة والمؤسسات الدينية والثقافية في ترسيخ مفاهيم المسؤولية والانتماء. فالتعليم عملية متكاملة تتشارك فيها مؤسسات المجتمع جميعًا. ويبقى المشهد الأكثر تأثيرًا في هذه القصة هو ذلك المشهد الذي جمع بين الركام والحضور الرسمي في لحظة واحدة. ركام يكشف حجم المشكلة، وحضور يؤكد وجود الإرادة لمعالجتها. وبين المشهدين تقف المدرسة المصرية شامخة، قادرة على تجاوز العثرات، ومواصلة رسالتها الخالدة في صناعة الإنسان. ستُصلح المقاعد، وستُرمم الجدران، وستعود الفصول إلى انتظامها المعتاد، غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحدث تكمن في الدرس الذي قدمه للمجتمع كله. درس عنوانه أن المدرسة خط أحمر، وأن هيبتها جزء من هيبة الدولة، وأن الحفاظ عليها مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والمؤسسة التعليمية والمجتمع بأسره.
وفي زمن تتسارع فيه التحديات، تظل المدرسة المصرية أحد أعظم حصون الوطن. وكل يد تمتد لحمايتها تبني مستقبلًا، وكل يد تمتد لتخريبها تهدم جزءًا من ذلك المستقبل. وبين البناء والهدم تتحدد ملامح الغد، وتتحدد صورة الوطن في عيون أبنائه.

سماح عزام الركام الجارديان المصريه