الأحد 28 يونيو 2026 12:25 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب: الفسادمنظومة نتقاسم عارها

د. محمد هناء الدين
د. محمد هناء الدين

دعني أحكي لك حكاية ليست حكايتي وحدي. إنها حكاية كل إنسانٍ صدم بجدار الواقع وهو يحمل حلما حكاية من ظن أن الثورة تغير النفوس، فاكتشف أن النفوس تقاوم التغيير بشراسة لا تقل عن شراسة المرض الذي أنهك جسده.

البداية كانت حلم الثورةكنت هناك. في ميدان التحرير، حيث اختلطت الأنفاس وارتفعت الأصوات وبكت القلوب فرحا وهي تظن أن وطنا جديدا يولد. كنت جزءا من هذا المخاض العظيم في يناير، ثم عدت لأكون جزءا من صحوة يونيو. لم أكن مجرد متفرج على التاريخ، كنت فاعلا فيه، أحمل يقينا راسخا أن الإنسان يستطيع، وأن الإرادة تنتصر، وأن الفساد يمكن أن يهزم.
لكن القدر كان يخبئ لي درسا لم أتخيل قسوته.
حدث لي حادث لحظة واحدة قلبت كل شيء. تضخم في شريان المخ. خزل رياعي. مصطلحات طبية باردة لا تنقل ما شعرت به، فالألم الحقيقي لا يعرفه إلا الله. أيام لا أقوى فيها على الحركة، أحاول النهوض فأقع، أحاول الكلام فأتعثر أحاول الحياة فأجد الموت يتربص في كل زاوية.
ومع ذلك حمدت الله يوما بعد يوم تعافيت لكن التعافي كان يحمل ثمنا باهظا علاج غال ديون تتراكم ولم يعد لي سوي وظيفة حكومية فقط
بحثت عن عمل آخر يسد ولكن حالتي لم تساعدني كنت منهك القوي ولكن وجدت عملا واتركه واخر كل ذلك حتي اعود اقف من جديد ابتلعت مرارة الخزلان والقهر وكنت أعمل حتى تنهار قدماي، حتى يصرخ الجسد الذي لم يشف تماما كان يصرخ كفى لكني كنت أصر فالديون لا ترحم والمرض لا ينتظر والحياة لا تتوقف على أحد.
وهنا، في هذه اللحظة الحرجة من حياتي، حيث كنت اقاتل على جبهتين الجسد المنهك والحاجة الملحةظهر الوجع الآخر. وجع لم أتوقعه.
في العمل الحكومي وجدت أسوأ ما في البشر. وجوه تنظر إلي وكأني سارق قوتهم ألسنة تهمس أني أتمارض، أقلام تكتب شكاوى لا أساس لها من الصحة. كأني أخذت شيئًا منهم، كأن راتبي يخرج من جيوبهم، لا من الحكومة
كنت أعامل كجسم غريب زرعَ في جسد إنسان، يريدون لفظي وإقصائي و إثبات أني لا شيء. ورغم هذا الكم من النكران والجحود، أثبتُ في كل مرة قدرتي. كنت أقف في وجه العاصفة أنهض من كل ضربة أعمل بصمت وإصرار بينما هم ينسبون كل شيء لأنفسهم، أولئك الذين لم يصنعوا شيئا قط.
كنت أظن أنني رأيت القاع. كنت مخطئا.
جاءت إلينا انتدابا امرأة لعوب بمعنى الكلمة الحقيقي ساقطة بامتياز تحمل خبرةمن نوعٍ خاص خبرة في استخدام الجسد للوصول إلى السلطة. أقامت علاقاتها مع المسؤول الإداري ومع آخرين، ونسجت شبكة من المصالح المشبوهة ثم تسلطت علينا جميعا.
كانت تدخن بفجاجة، لا كمدخنة عادية، بل كمن يشعِل سيجارة ليُعلِن أنه المالكوكانت تتصرف وكأن المكان إرث شخصي، وكأننا جميعًا ضيوف ثقلاء في مملكتها. كانت تملك المكان حرفيا، ليس بسند قانوني، بل بجسدها الذي فتح لها كل الأبواب المغلقة.
رأيتها تمنح إجازات دون تسجيل تأذن بانصراف مبكر لمن تشاء تتحكم في كل صغيرة وكبيرة. لقد فعلت بمكان العمل تماما ما فعلته بجسدهاجعلت كل شيء للبيع.
المأساة الحقيقية لم تكن فيها وحدها. المأساة أن الفساد فيها أيقظ الفساد الكامن في الآخرين. كأنها كانت مرآة عكست نفوسا ظلت تخفي حقيقتها طويلا.

فجاة، تحول الزملاء إلى عصابة. لم يعودوا مجرد موظفين سلبيين، بل صاروا شركاء في المنظومة، راضين، بل مدافعين عنها. وصل الأمر إلى أنها كانت تقابل عشيقها في مكان العمل ليلا. رآها الناس. عرفتها الإدارةوساد صمت غريب صمتٌ أثقل من الفعل نفسه.
المسؤول الإداري لم يكن يهمه سوى ما تسمح له به من تجاوزات. كان الثمن الذي يدفعه بسيطا أن يمنحها السلطة المطلقة، فتفعل كل مخالفة في المكان سيمفونية فساد متكاملة كل واحد يعزف نغمته ببراعة.وهنا السؤال هل من نهاية؟
حاولت المقاومة. كنت وحدي، كما كنت دائما. لكن الفساد له جيش، وأنا ليس لي إلا جسد منهك وقلب لم يتعلم الانكسار بعد.
أقصى ما استطاعت الإدارة فعله هو نقلها بعيدا. نقلها فقط. لم يحاسبها أحد، لم يواجهها أحد، لم يسترد أحد شيئا مما سلب.
ثم جاء مدير جديد قوي الشخصية بقلب اسد نجح في تفريق العصابةوأعاد الأمور إلى نصابها. لكنه كيف يحاسب الفاسدين المشاركين بالصمت كيف يحاسب جيشها الذي خنس عندما جاء هذا العادل القوي سكتوا انزووا في زواياهم ينتظرون الفرصة القادمة.
هذه قصتي. وهنا الحقيقة المرة التي تعلمتها بعد كل هذه السنوات من الألم والمعاناة
الفساد ليس فردا واحدا يمكن عزله. الفساد ليس امرأة ساقطة أو مسؤولا فاسدا يمكن نقله إلى مكان آخر. الفساد منظومة. كائن حي يتنفس يتكاثرويحمي نفسه.

نحن جميعا في هذه المنظومة. المرأة التي باعت جسدها، والمسؤول الذي اشتراه، والموظفون الذين صمتوا، والإدارة التي غضت الطرف والوحيد الذي حاربوه بالاشاعات المدير الجديد مثلما فعلوا معي رغم انه لم يحاسبهم لانه لا دليل عليهم كلنا شركاء بدرجات متفاوتة بالفعل أو بالصمت أو بالخوف أو باللامبالاة.

لقد حاربت في ثورتين هتفت حتى بح صوتي ظننت أن التغيير قادم. لكنني اكتشفت أن تغيير القوانين أسهل ألف مرة من تغيير النفوس، وأن هزيمة الفساد لا تكون في الميادين، بل في الضمائر.
وما زلت أنتظر. ربما يأتي يوم نقرر فيه جميعا أن لا مشاركة لنا في هذا العار ربما يأتي يوم نفهم فيه أن صمتنا هو السور الذي يحمي الفساد، وأن صوت كل واحد منا هو لبنة في سور العدالة.
ربما.
وحتى ذلك الحين، سأظل أحكي حكايتي.

د. محمد هناء الدين الفسادمنظومة نتقاسم عارها الجارديان المصرية