الأحد 28 يونيو 2026 05:24 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب: الحسم العسكري يعمق الخلاف السوداني الأمريكي

الكاتب الكبير ضاحي عمار
الكاتب الكبير ضاحي عمار

يفتح تمسك رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان بخيار الحسم العسكري أبواب أزمة جديدة بين الخرطوم وواشنطن، بعد أن تحولت المبادرة الأمريكية لإنهاء الحرب إلى ساحة خلاف سياسي ودبلوماسي كشفت عن تباين كبير في الرؤى بين الجانبين. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الولايات المتحدة أن التفاوض هو السبيل الوحيد لوقف نزيف الدم في السودان، تتمسك القيادة السودانية بأن إنهاء الحرب لن يتحقق إلا بالحسم العسكري والقضاء على قوات الدعم السريع.
مواقف متباينة
وجاء نفي وزارة الخارجية السودانية لتصريحات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس بشأن رفض الخرطوم للمبادرة الأمريكية ليكشف عن وجود فجوة واضحة في فهم مواقف الطرفين. فالخرطوم تؤكد أنها تعاملت بإيجابية مع جميع المبادرات المطروحة، بينما ترى واشنطن أن هناك تردداً في الانخراط الكامل في مسار التسوية السياسية.
ويرى مراقبون أن تمسك البرهان بخيار الحسم العسكري يبعث برسائل مباشرة إلى المجتمع الدولي بأن القيادة السودانية ما زالت تراهن على المعركة الميدانية أكثر من رهانها على طاولة المفاوضات.
تطورات ميدانية
وعلى الأرض، عززت القوات المسلحة السودانية من موقفها بإعلان السيطرة على بلدة أبو قمرة الاستراتيجية بولاية شمال دارفور بعد معارك عنيفة مع قوات الدعم السريع، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشراً على أن الجيش يحقق تقدماً ميدانياً يمنحه مزيداً من الثقة في قدرته على مواصلة العمليات العسكرية.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن الميدان العسكري ما زال يفرض كلمته على المشهد السوداني، وأن أي حديث عن تسوية سياسية سيظل مرهوناً بما تحققه الأطراف المتصارعة على الأرض.
رؤية أمنية
ويؤكد اللواء شبل عبد الجواد، رئيس الشرطة العسكرية الأسبق ورئيس هيئة مكافحة الإرهاب بالمنطقة العربية، أن استمرار الحرب في السودان يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي والإفريقي، مشيراً إلى أن إطالة أمد الصراع تفتح المجال أمام انتشار الجماعات المسلحة والمرتزقة وتزيد من مخاطر عدم الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وأضاف أن أي طرف يحقق تقدماً عسكرياً يزداد تمسكاً بخيار الحسم، وهو ما يفسر تعثر جهود الوساطة الدولية حتى الآن، محذراً من أن استمرار المواجهات سيؤدي إلى مزيد من التعقيدات الأمنية والإنسانية.
قراءة سياسية
من جانبها، ترى الدكتورة مها الشريف، رئيس تيار المستقبل ضد العنف والإرهاب، أن الخلاف السوداني الأمريكي تجاوز حدود المبادرة السياسية وأصبح مرتبطاً بمستقبل الدولة السودانية وشكل السلطة خلال المرحلة المقبلة.
وأضافت أن واشنطن تسعى إلى تسوية سياسية شاملة تضمن مشاركة جميع الأطراف، بينما تخشى القيادة السودانية من أن تؤدي أي تسوية قبل حسم المعركة إلى إعادة إنتاج الأزمة من جديد.
وأكدت أن الشعب السوداني هو الطرف الأكثر تضرراً من استمرار الحرب، في ظل اتساع دائرة النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
خسائر اقتصادية
ويقول الدكتور مصطفى التمساح، رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاقتصادية، إن الحرب ألحقت أضراراً جسيمة بالاقتصاد السوداني، وأدت إلى تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتسببت في هروب الاستثمارات وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وأضاف أن السودان يمتلك إمكانات اقتصادية هائلة، إلا أن استمرار الصراع يبدد هذه الفرص ويؤخر عملية إعادة الإعمار لسنوات طويلة، مشيراً إلى أن تحقيق السلام أصبح ضرورة اقتصادية قبل أن يكون خياراً سياسياً.
ضغوط متزايدة
وتواصل الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون والدوليون ضغوطهم من أجل وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات، انطلاقاً من قناعة بأن الحسم العسكري لن يؤدي إلى إنهاء الأزمة، بل سيزيد من تعقيداتها.
وفي المقابل، يبدو أن القيادة السودانية لا تزال تراهن على تحقيق مكاسب ميدانية تمنحها موقفاً تفاوضياً أقوى في أي تسوية مستقبلية.
مستقبل مجهول
ويبقى السودان اليوم أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تنجح الجهود السياسية في وقف الحرب وإنقاذ الدولة من مزيد من الانهيار، وإما أن تستمر المعارك بما تحمله من مخاطر على وحدة السودان واستقراره وأمن المنطقة بأسرها.
وبين ضغوط واشنطن ورهان الخرطوم على الحسم العسكري، تظل الحقيقة الأكثر إيلاماً أن الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر في حرب دخلت عامها الرابع دون أن تلوح في الأفق نهاية قريبة لها.

ضاحى عمار مقالات ضاحي عمار الحسم العسكري يعمق الخلاف السوداني الأمريكي الجارديان المصريه