الثلاثاء 30 يونيو 2026 03:31 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عمرو النعماني يكتب : الحكومة التي لا تنكشف على برلمان

الكاتب الكبير عمرو النعمانى
الكاتب الكبير عمرو النعمانى

هناك خلل أصاب الحياة السياسية في مصر ولم يعد أحد يتوقف أمامه كثيرا، رغم أنه يمس جوهر الدولة نفسها ، لقد اختلت العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وانقلبت الموازين، حتى أصبح المشهد مختلفا تماما عما هو مذكور في الدستور الذي يحكمنا جميعا كدولة

قديما، كان الوزير يحسب ألف حساب للنائب ليس خوفا من شخصه، وإنما احتراما للموقع الذي يشغله ، فالنائب كان يمثل الشعب ويحمل في يده أدوات رقابية يستطيع بها أن يستجوب الوزير، ويطلب سحب الثقة منه، ويفتح ملفات التقصير والفساد تحت قبة البرلمان ، لذلك كانت الحكومة تسعى إلى كسب ثقة البرلمان، لأن بقاءها السياسي كان مرتبطا بثقة ممثلي الشعب

أما اليوم، فقد تبدل المشهد بصورة تثير القلق ، أصبحنا نرى بعض النواب يطرقون أبواب الوزراء طلبا لرضاهم، وينتظرون توقيعا على طلب أو استثناءً من قرار، أو موافقة على خدمة، وأحيانا محاولة للالتفاف على قرار إداري أو نص قانوني ، وتحول العمل النيابي من ممارسة الرقابة على الحكومة إلى البحث عن رضا الحكومة لنيل توقيعها على طلب

وهنا يفرض السؤال نفسه ، كيف يحاسب النائب وزيرا ينتظر توقيعه على طلب ؟ وكيف يستخدم أدواته الرقابية ضد مسؤول يخشى أن يُغضبه وبالتالي لن يستجيب لطلباته ؟ الأخطر من ذلك أن المواطن نفسه أصبح يقيس قيمة النائب بعدد الطلبات التي ينهيها، لا بعدد القوانين التي يناقشها، ولا بعدد الاستجوابات التي يقدمها، ولا بعدد ملفات الفساد التي يفتحها ، وهكذا ساهمنا جميعا بقصد أو بغير قصد، في تحويل البرلمان من سلطة دستورية إلى وسيط بين المواطن والسلطة التنفيذية

الحكومة ليست خصما للبرلمان، لكنها أيضا ليست فوق البرلمان ، والوزير ليس أعلى من النائب، كما أن النائب ليس مسؤول مكتب خدمات ، لكل سلطة دورها الذي حدده الدستور، وعندما تتداخل الأدوار يختل ميزان الدولة ، فالسلطة التشريعية كانت دائما هي عنوان الإرادة الشعبية، وصاحبة الاختصاص في سن القوانين ومراقبة أداء الحكومة ومساءلة الوزراء ، أما اليوم فيشعر كثيرون أن ترتيب السلطات أصبح غامضا، وأن الحكومة أصبحت الطرف الأقوى في المعادلة، بينما تراجعت هيبة البرلمان وتراجعت معها هيبة الرقابة السياسية

إن الدولة التي تقوم على سيادة القانون لا تخشى المساءلة، بل تجعلها أحد أركان استقرارها ، فالرقابة البرلمانية ليست خصومة مع الحكومة، وإنما ضمانة لحسن أداء السلطة التنفيذية، وصون لحقوق المواطنين، وتطبيق صحيح لأحكام الدستور

ومن ثم، فإن الحكومة التي تقبل الرقابة تزداد قوة وثقة، أما الحكومة التي تبتعد عن المساءلة فإنها تُضعف مؤسسات الدولة وتفتح الباب أمام الأخطاء دون تصويب ،
ولهذا، فإن الحكومة التي لا تنكشف على البرلمان، لا تنتقص من دور البرلمان وحده وإنما تمس جوهر الدولة الدستورية، لأن لا سلطة تعلو على الدستور، ولا مسؤول يعلو على المساءلة ...

حفظ الله مصر جيشا وشعبا وقيادة

عمرو النعماني الحكومة التي لا تنكشف على برلمان الجارديان المصريه