الجمعة 3 يوليو 2026 10:08 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. نهال أحمد يوسف تكتب : كيف نُجدّد علاقة الشباب العربي بالمعرفة؟

د. نهال أحمد يوسف
د. نهال أحمد يوسف

لم تعد أزمة الإنسان المعاصر في نقص المعلومات، وإنما في فرطها. لم يعد السؤال: كيف نصل إلى المعرفة؟ صار السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نميز المعرفة من الضجيج؟ وكيف نحمي الوعي من التبعثر داخل فضاء سريع الإيقاع، كثيف الادعاء، قليل التحقق؟

يعيش الشباب العربي اليوم داخل بيئة معرفية مفتوحة بصورة غير مسبوقة. بضغطة واحدة يمكنه أن يقرأ، ويشاهد، ويقارن، وينشر. غير أن هذا الاتساع لا يصنع وعياً أعمق بالضرورة؛ فقد يتحول إلى استهلاك سريع تتراكم فيه المعلومات من دون بناء، وتتكاثر الآراء من دون منهج، وتظهر الثقة في الفهم قبل اكتمال أدواته. هنا تنشأ ما يمكن تسميته بـ «الهشاشة المعرفية»: حالة يبدو فيها الفرد متصلاً بالعالم، بينما تظل علاقته بالمعرفة علاقة متقطعة، انفعالية، وغير محكومة بمنطق نقدي واضح.

الهشاشة المعرفية لا تعني الجهل التقليدي. فالجاهل قديماً كان يعرف حدود جهله، أما الهش معرفياً فقد يمتلك كماً كبيراً من المعلومات المتناثرة، ويظن أن هذا التناثر يساوي معرفة. يقرأ عناوين كثيرة، يشاهد مقاطع قصيرة، يتابع نقاشات حادة، ويحفظ عبارات جاهزة، ثم يدخل المجال العام محملاً بأحكام سريعة. المشكلة ليست في الوسائط الحديثة ذاتها، وإنما في غياب المنهج الذي ينظم علاقتنا بها.

من هذه الزاوية، يصبح تجديد الفكر العربي مرتبطاً بتجديد آداب التلقي قبل تجديد أدوات القول. كثيراً ما نطالب الشباب بأن يكتبوا، ويتحدثوا، وينتجوا محتوى، وهذه دعوة مهمة، لكنها تحتاج إلى أساس أسبق: أن يتعلموا كيف يقرأون، وكيف ينصتون، وكيف يشكّون، وكيف يتحققون، وكيف يؤجلون الحكم عندما تكون المسألة أكبر من انطباع عابر. فالفكر لا يتجدد بكثرة الكلام، وإنما بتغير نظام التفكير نفسه.

إن أحد أخطر ما يواجه الوعي العربي اليوم هو هيمنة الثقافة المختصرة. ليست المشكلة في الاختصار كأداة؛ فقد يكون الاختصار فناً حين يصدر عن فهم عميق. الخطر يبدأ حين يتحول الاختصار إلى بديل عن المعرفة. مقطع قصير قد يختزل كتاباً، ومنشور سريع قد يحسم قضية تاريخية، وتعليق غاضب قد يهدم تجربة فكرية كاملة. ومع تكرار هذا النمط، يتراجع الصبر المعرفي، وتضعف القدرة على متابعة الحجج المركبة، ويصبح الإنسان أكثر استعداداً لتصديق ما يوافق مزاجه لا ما تؤيده الأدلة.

لذلك تحتاج الثقافة العربية إلى استعادة قيمة التكوين. والتكوين لا يعني الحفظ أو التلقين، وإنما بناء العقل بالتدرج: قراءة منظمة، ووعي بالسياق، وقدرة على المقارنة، واحترام للتخصص، وانفتاح على الاختلاف. فالمثقف الحقيقي ليس من يعرف كل شيء، وإنما من يعرف كيف يضع الأشياء في مواضعها، وكيف يميز بين الرأي والمعرفة، وبين الحماسة والتحليل، وبين الانطباع والحكم.

ولا يمكن الحديث عن التكوين من دون الحديث عن اللغة. فاللغة ليست وعاءً محايداً للأفكار؛ إنها طريقة في رؤية العالم. حين تضعف اللغة، يضعف التفكير معها، لأن الفكرة الدقيقة تحتاج إلى عبارة دقيقة، والموقف المركب يحتاج إلى صياغة قادرة على حمل تعقيده. لذلك فإن العناية باللغة العربية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها حنيناً جمالياً إلى الماضي، وإنما بوصفها شرطاً من شروط بناء الوعي. اللغة القوية تمنح صاحبها قدرة على الفهم، والحجاج، والتفسير، والاختلاف بكرامة.

غير أن الدفاع عن اللغة لا يكفي إن ظل خطابياً. المطلوب أن تعود العربية إلى الحياة بوصفها لغة بحث وإعلام ومنصات ومبادرات شبابية وكتابة عامة. العربية قادرة على مواكبة أسئلة العصر حين نستخدمها بثقة ومرونة وعمق. ليست لغة للتراث وحده، ولا للمناسبات الرسمية فقط، إنها أداة تفكير قابلة للتجدد متى وجدنا من يكتب بها علماً، ونقداً، وفلسفة، وسرداً، ومعرفة يومية رفيعة.

وتتطلب مواجهة الهشاشة المعرفية إعادة الاعتبار إلى المسؤولية الفكرية. فليس كل ما يمكن قوله ينبغي أن يقال بالطريقة نفسها، وليس كل رأي يستحق أن يتحول إلى يقين معلن. المسؤولية الفكرية تعني أن يدرك الكاتب أو المتحدث أو صانع المحتوى أثر كلمته في المجال العام. قد تتحول الكلمة إلى جسر، وقد تتحول إلى قطيعة. قد تفتح باباً للفهم، وقد تغلقه أمام التعصب. ومن ثمّ يصبح الوعي الأخلاقي جزءاً أصيلاً من الوعي المعرفي.

والشباب العربي لا يحتاج إلى وصاية ثقافية، وإنما إلى شراكة حقيقية في بناء المعرفة. فالأجيال الجديدة تمتلك حساسية مختلفة تجاه العالم، وتتحرك داخل فضاءات جديدة، وتملك قدرة كبيرة على الابتكار والتواصل. غير أن هذه الطاقة تحتاج إلى مؤسسات ثقافية وتعليمية تمنحها الأدوات لا الأوامر، وتفتح أمامها الأسئلة لا القوالب الجاهزة. إن أخطر ما نفعله مع الشباب هو أن نطالبهم بالتجديد داخل مناخ لا يسمح بالسؤال.

من هنا، يحتاج المشروع الثقافي العربي إلى انتقال واضح من ثقافة التلقين إلى ثقافة المنهج. المنهج لا يقتل الإبداع، وإنما يحميه من الفوضى. لا يطفئ الحماسة، وإنما يمنحها اتجاهاً. لا يجعل الفكر بارداً، وإنما يجعله أكثر دقة وعدلاً وقدرة على البقاء. فكل نهضة فكرية حقيقية تبدأ من سؤال بسيط وعميق في آن واحد: كيف نفكر؟

إن تجديد الوعي العربي لن يتحقق بإدانة العصر الرقمي أو تمجيده. المطلوب موقف نقدي متوازن، يعترف بما أتاحه هذا العصر من فرص هائلة، وينتبه إلى ما أنتجه من استعجال وتسطح واستقطاب. فالمشكلة ليست في المنصة، وإنما في العقل الذي يدخل إليها من دون أدوات. وليست في سرعة الوصول إلى المعلومة، وإنما في بطء تشكّل الحكمة أمام سرعة التدفق.

في النهاية، لا يحتاج الشباب العربي إلى مزيد من المعلومات وحدها، وإنما إلى علاقة أنضج بالمعرفة: علاقة تقوم على الصبر، والشك المنهجي، واحترام الدليل، وجمال اللغة، وأخلاق الاختلاف. عندها يمكن أن يتحول الفضاء المفتوح من مصدر للتشتت إلى مجال للتكوين، وأن تتحول الوفرة من عبء على الوعي إلى فرصة لتجديده.

إن المستقبل الثقافي لا يصنعه الأكثر ضجيجاً، وإنما يصنعه الأكثر قدرة على الفهم. ومن هنا تبدأ آفاق التجديد: من عقل يتواضع أمام المعرفة، ولسان يحترم المعنى، وشباب يمتلك شجاعة السؤال قبل سرعة الإجابة.

د. نهال أحمد يوسف كيف نُجدّد علاقة الشباب العربي بالمعرفة؟ الجارديان المصريه