الثلاثاء 21 يوليو 2026 11:50 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الكبير فرحات جنيدي يكتب : من يستحق وزارة الثقافة؟ (11) غادة جبارة... هل تستطيع الإدارة أن تصنع نهضة ثقافية؟

الكاتب الكبير فرحات جنيدي
الكاتب الكبير فرحات جنيدي

حين بدأت هذه السلسلة، لم أكن أبحث عن وزير.
كنت أبحث عن فكرة.
عن مشروع.
عن شخصية تستطيع أن تحمل الثقافة المصرية إلى المستقبل، بعدما حملت لعقود طويلة مسؤولية الدفاع عن الهوية، وصناعة الوعي، وحماية القوة الناعمة المصرية.
ولهذا تنقلت بين مدارس مختلفة.
الفنان...
والمؤرخ...
والاقتصادي...
والأكاديمي...
والناقد...
والروائي...
والصحفي...
والمخرج...
وعالم الاجتماع.
واليوم...
أقف أمام مدرسة مختلفة.
مدرسة تؤمن بأن الثقافة لا تنهض بالإبداع وحده، وإنما بالإدارة التي تعرف كيف تحمي هذا الإبداع، وتمنحه الفرصة ليصل إلى الناس.
ومن هنا يبرز اسم الدكتورة غادة جبارة.
كثيرون يصنعون أعمالًا فنية ناجحة.
لكن قليلين هم الذين يستطيعون صناعة مؤسسة ناجحة.
وهذا هو الفارق.
فوزارة الثقافة ليست مسرحًا.
وليست دار نشر.
وليست أكاديمية.
إنها منظومة كاملة، تتشابك فيها الفنون، والتعليم، والإدارة، والتمويل، والتخطيط، والعلاقات الإنسانية.
ومن ينجح في إدارتها، لا يكفي أن يكون مبدعًا.
بل يجب أن يكون قادرًا على إدارة المبدعين.
وهنا تكمن قيمة تجربة غادة جبارة.
فقد جاءت من قلب الفن.
وعاشت تفاصيله.
ثم انتقلت إلى العمل الأكاديمي، حتى أصبحت واحدة من أبرز القيادات الفنية والإدارية في مصر، وتولت رئاسة أكاديمية الفنون، المؤسسة التي خرجت أجيالًا من الفنانين والموسيقيين والممثلين والمخرجين، وكانت ولا تزال أحد أهم مصانع القوة الناعمة المصرية.
ولم يكن وجودها في هذا الموقع مجرد منصب إداري.
بل كان اختبارًا يوميًا لقدرتها على إدارة مؤسسة تضم مدارس فنية متعددة، ورؤى مختلفة، وأجيالًا متعاقبة من المبدعين.
وهذا، في تقديري، ليس أمرًا يسيرًا.
فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد القرارات.
بل بعدد المواهب التي استطاعت أن تجد طريقها إلى المستقبل.
ومن يتابع مسيرة غادة جبارة، يدرك أنها لم تنظر إلى الفن باعتباره ترفًا.
بل باعتباره أحد أهم أدوات بناء الإنسان.
ولهذا ظل اهتمامها منصبًا على تطوير العملية التعليمية الفنية، وربط الأكاديمية بالحياة الثقافية، والانفتاح على التجارب الجديدة، مع الحفاظ على هوية المؤسسات التي تقودها.
ولعل ما يميز تجربتها أيضًا أنها تمثل نموذجًا للإدارة الهادئة.
إدارة لا تبحث عن الضجيج.
ولا تعتمد على الصدام.
بل تؤمن بأن المؤسسة القوية تُبنى بالعمل، لا بالشعارات.
وهذا ما تحتاجه الثقافة المصرية اليوم.
لقد تحدثت في هذه السلسلة عن الفنان الذي يصنع الوعي.
وعن المؤرخ الذي يحفظ الذاكرة.
وعن الاقتصادي الذي ينظر إلى الثقافة باعتبارها استثمارًا.
وعن الناقد الذي يقرأ الإنسان.
وعن المخرج الذي يصنع الأجيال.
وعن عالم الاجتماع الذي يربط الثقافة بالتنمية.
واليوم أتحدث عن الإدارة...
لأن المشروع الثقافي، مهما كانت عظمته، لن ينجح إذا لم يجد من يعرف كيف يحوله إلى واقع.
وقد يختلف البعض مع هذا الترشيح.
وهذا حقهم.
لكن ما يصعب الاختلاف عليه، أن المؤسسات الثقافية الكبرى لا تنهض بالحماس وحده.
بل تحتاج إلى قيادة تعرف كيف تدير البشر، وتحافظ على الكفاءات، وتكتشف المواهب، وتمنحها المساحة التي تستحقها.
ولهذا أرى أن تجربة الدكتورة غادة جبارة تستحق أن تكون جزءًا من أي نقاش جاد حول مستقبل وزارة الثقافة.
ليس لأنها فنانة.
ولا لأنها أكاديمية.
ولا لأنها امرأة.
بل لأنها تمثل مدرسة تؤمن بأن الإدارة ليست وظيفة...
بل مسؤولية تجاه الثقافة، وتجاه الإنسان، وتجاه المستقبل.
لقد حاولت، منذ بداية هذه السلسلة، أن أقدم نماذج متعددة، لأنني أؤمن أن مصر لا تعاني من نقص في الكفاءات، بل تمتلك ثروة حقيقية من العقول والخبرات التي تستحق أن تُناقش بموضوعية، بعيدًا عن المجاملات والانطباعات السريعة.
وفي المقال القادم...
لن أتوقف أمام فنان، ولا أكاديمي، ولا مدير مؤسسة.
بل أمام رجلٍ يعرف وزارة الثقافة من داخلها، وعاش تفاصيلها عامًا بعد عام، وشارك في صناعة كثير من ملفاتها، ويعرف خرائطها، وأزماتها، ونجاحاتها، كما يعرف كيف وُلدت مشروعاتها الكبرى، وكيف تعثر بعضها، وكيف يمكن أن تستعيد دورها التاريخي.
رجل لا يتحدث عن المؤسسة من موقع المراقب...
بل من موقع من عاشها، وخاض معاركها، ويؤمن أن إصلاحها يبدأ من فهمها.
فمن يكون هذا الرجل؟
انتظروا المقال الثاني عشر من سلسلة: من يستحق وزارة الثقافة؟
#فرحات_جنيدي

فرحات جنيدي من يستحق وزارة الثقافة؟ (11) غادة جبارة... هل تستطيع الإدارة أن تصنع نهضة ثقافية؟ الجارديان المصريه