الجمعة 24 يوليو 2026 04:25 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب: حين تتحول الكومبوندات إلى دولة داخل الدولة

الكاتب والفنان الكبير د محمد هناء الدين
الكاتب والفنان الكبير د محمد هناء الدين

لم يعد المشهد مجرد ظاهرة عمرانية حديثة أو نمط حياة مختلف يبحث فيه البعض عن الهدوء والتنظيم بل تحول في بعض الحالات إلى واقع يطرح سؤالا أخطر بكثير من شكل السكن وهو سؤال السيادة نفسها من يحكم ومن يملك حق فرض القوانين ومن الذي يحدد ما هو المسموح وما هو الممنوع داخل هذه الأسوار المغلقة
في عدد من الكومبوندات لم يعد المطور العقاري مجرد شركة تقدم خدمة بل أصبح سلطة كاملة تضع القواعد وتفرض الغرامات وتتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للسكان من مواعيد الدخول والخروج إلى شكل السلوك الشخصي بل وأحيانا تتجاوز إلى ما هو أخطر حين يتم التعامل مع أجهزة الدولة وكأن دخولها يحتاج إلى إذن أو تنسيق أو موافقة ضمنية من إدارة خاصة لا تملك في الأصل أي صفة سيادية
هنا لا نتحدث عن لائحة تنظيمية لضبط الإيقاع داخل مجتمع سكني بل عن واقع يقترب من فكرة الدولة داخل الدولة حيث يتم خلق نظام مواز للقانون العام نظام يفرض نفسه بقوة الأمر الواقع ويجد من يقبله أو يصمت عنه تحت ضغط الرغبة في الأمان أو الخوف من فقدان نمط حياة معين
المشكلة ليست في وجود قواعد داخل الكومبوندات فالتنظيم مطلوب لكن الكارثة تبدأ حين تتحول هذه القواعد إلى ما يشبه التشريع الخاص الذي يعلو عمليا على القانون العام حين يدفع المواطن غرامة لا يعرف سندها القانوني وحين يخضع لشروط لم يقرها قانون وحين يشعر أن حقوقه ليست محمية بالدولة بل بإدارة شركة
الأخطر من ذلك أن هذا النموذج يخلق وعيا مشوها لدى البعض فكرة أن المال يمكن أن يشتري نظاما بديلا وأن من يملك القدرة المالية يستطيع أن يعيش في مساحة منفصلة بقوانين مختلفة وكأننا أمام خريطة غير معلنة لمجتمعات متعددة داخل وطن واحد لكل منها قواعده وحدوده وسلطته الخاصة
وهنا يظهر الخطر الحقيقي ليس فقط في تجاوز قانوني هنا أو هناك بل في تآكل فكرة الدولة نفسها لأن الدولة لا تقاس فقط بحدودها الجغرافية بل بقدرتها على فرض قانون واحد عادل على الجميع دون استثناء أو تفاوض فإذا بدأ هذا المبدأ في التراجع فإن ما يتآكل ليس مجرد هيبة مؤسسات بل أساس العقد الاجتماعي كله
قد يدافع البعض بأن السكان يقبلون هذه الشروط بإرادتهم وأنهم اختاروا هذا النمط من الحياة لكن القبول تحت ضغط الحاجة أو الخوف أو غياب البديل لا يصنع شرعية ولا يمنح أي كيان حقا في تجاوز القانون لأن الحقوق لا تسقط بالتعاقد إذا كان العقد نفسه يخرج عن الإطار القانوني العام
ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكمات اقتصادية وإدارية سمحت للمطور العقاري أن يتحول من مستثمر إلى مدير مجتمع كامل يمتلك أدوات التأثير والضغط ومع غياب الرقابة الكافية أو وضوح القوانين تضخمت هذه السلطة حتى بدأت تلامس حدودا لا يجب أن تقترب منها
الأمر لا يحتاج إلى صدام بل إلى تصحيح واضح وحاسم يعيد الأمور إلى نصابها يحدد بدقة ما هي حدود سلطة الشركات وما هي حقوق السكان وما هي الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها وعلى رأسها سيادة الدولة وحقها الكامل في فرض القانون داخل كل شبر من أراضيها دون استثناء
لأن القضية في جوهرها ليست صراعا بين سكان وشركات بل اختبار حقيقي لفكرة الدولة نفسها هل هي كيان واحد يخضع له الجميع أم مجرد مظلة عامة تتآكل تحتها كيانات خاصة تفرض قوانينها الخاصة
الإجابة على هذا السؤال لا يجب أن تترك للوقت لأن الوقت في مثل هذه الحالات لا يعالج المشكلة بل يرسخها حتى تصبح أمرا واقعا يصعب تغييره
وحينها لن نسأل فقط كيف حدث ذلك بل لماذا صمتنا طويلا حتى أصبح الطبيعي أن توجد داخل الدولة مناطق لا تطبق فيها الدولة بالكامل