د. محمد هناء الدين يكتب: مصر في عين العاصفة
تشعر أن ثمة أمرا جللا يحدث وأنت تتصفح هاتفك في ساعة متأخرة من الليل الخبر الصادم والتعليق المحبط والصورة المقتطعة من سياقها والفيديو المركب والصفحات التي ظهرت فجأة لتتحول في أيام إلى منصات توجيه وتجييش تكاد تلمس بيديك موجة كراهية عاتية تريد أن تجرف كل ذرة أمل في النفس وكأن المطلوب ليس إصلاح خلل أو نقد سياسة بل المطلوب أن تستيقظ صباحا فتقول لنفسك ببساطة لم يعد لهذه البلاد معنى
في اللحظة التي يصل فيها الطوفان الرقمي إلى هذا الحد من التكثيف والضراوة يجب أن يتوقف العقل قليلا ليسأل السؤال الذي يتجاوز كل انتماء وكل أيديولوجيا لماذا كل هذا الهجوم الآن ليس السؤال موجها للحكومة أو لسياساتها التي قد تختلف معها أو تؤيدها فهذا شأن آخر وميدانه مختلف ولكن السؤال موجه للعقل الجمعي الذي يتعرض لعملية إغراق ممنهج في اليأس لماذا يريدون لنا أن نيأس
أن تعارض سياسة اقتصادية أو ترفض قانونا أو تنتقد تقصيرا فهذا حق أصيل وجوهر الفعل الوطني السليم أما أن يتحول النقد إلى طعن في جدوى الوطن نفسه وأن تتحول المعارضة إلى رغبة جامحة في تفكيك كل رابط يجمع الناس بأرضهم فهنا تغادر المعركة ميدان السياسة لتدخل ميدان الوجود نفسه نحن لا نواجه خلافا في الرأي بل نواجه مشروعا لإسقاط الفكرة ذاتها فكرة أن مصر قادرة على البقاء
انظر إلى الخريطة وستجد أن مصر تقف وحدها في وجه أعتى مخططات تصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية عبر التهجير إلى سيناء وحده الرفض المصري القاطع الذي لم يتزحزح قيد أنملة هو الذي أوقف المخطط حتى اللحظة وفي الشرق مفاوضات وجودية على محور فيلادلفيا تمس الأمن القومي مباشرة وفي الغرب جحيم يمتد من ليبيا وفي الجنوب حرب ضروس في السودان تهدد شريان الحياة من ماء النيل وكأن الجغرافيا تتحول إلى كماشة فولاذية تضغط على القلب فإذا كان الضغط من كل حدب وصوب بهذا الشكل فهل يعقل أن تكون الحملات النفسية الطاحنة في الداخل مجرد صدفة
هذه ليست مبالغة ولا نظرية مؤامرة فارغة بل قراءة مباشرة للمشهد حين تعجز القوة الصلبة عن اختراق الجبهة الخارجية تنتقل المعركة تلقائيا إلى الجبهة الداخلية وأصبحت الجبهة الداخلية اليوم هي الشاشة التي تحملها في يدك لم يعودوا بحاجة إلى جيوش لتدمير الروح المعنوية تكفي حملة منظمة على منصات التواصل تحول فيها الحياة إلى سلسلة لا تنتهي من الفضائح والعجز والخيبة تكفي مئات الصفحات والحسابات التي تعمل بتنسيق عجيب على تضخيم السلبيات حتى تطغى على الوجود وعلى تجاهل أي إنجاز وكأنه لم يكن وعلى تحويل كل خطأ بشري في مؤسسة ضخمة إلى دليل على استحالة الإصلاح
الهدف النهائي لهذه الهندسة النفسية ليس تغيير سياسة بل خلق حالة من القنوط تجعل المواطن يفقد ثقته ليس فقط في الحكومة بل في جيرانه في الشارع في المؤسسة التي يعمل بها في الجندي الذي يحرس الحدود في الفلاح الذي يزرع الأرض يريدوننا قبائل متناحرة وأفرادا مشلولين لا يجمعنا سوى الغضب الأعمى
في قلب هذه العاصفة يصبح السؤال عن معنى الوطنية مغايرا تماما الوطنية اليوم ليست هتافا وليست تبريرا للخطأ وليست خصومة مع المخالف بل هي وعي قاس وصعب هي أن تسأل نفسك قبل أن تشارك أي خبر من المستفيد من نشره الآن هي أن تفرق بصلابة بين الغضب المشروع من تقصير المسؤول وبين السقوط في فخ كراهية الوطن هي أن تنظر حولك فترى الجيران والأهل والزملاء وتعرف أن تماسك هذا النسيج هو الهدف الذي يحاولون تدميره
إن شعورك بالخطر ليس وهما وليس مبالغة إنها الغريزة التي تدرك أن ثمت معركة من نوع مختلف تدور رحاها والمعركة ليست حول من يحكم ولكن حول ما إذا كانت مصر ستبقى وشعورك هذا هو خط الدفاع الأول والأخير في زمن لم تعد فيه الحروب تقاس بعدد الدبابات بل بعدد النفوس التي استطاعوا إطفاء شعلتها من الداخل
هذا المقال ليس دفاعا عن حكومة ولا تأييدا لسياسة إنه إنذار بأن اللحظة الراهنة تتطلب منا جميعا وعيها الحاد الحكومات تأتي وترحل والمسؤولون يتغيرون وما يبقى هو هذا الكيان الهائل الذي اسمه مصر هذا الكيان هو ما يستهدفونه الآن عبر إغراقك في بحر من اليأس والغضب المدمر فهل نستطيع أن نغضب من أجل إصلاحها دون أن نكرهها إلى حد تدميرها هذا هو الامتحان الحقيقي ونحن جميعا بداخله الآن












اليوم.. نظر محاكمة البلوجر هدير عبدالرازق بتهمة غسل الأموال
اليوم.. نظر محاكمة 9 متهمين في قضية خلية المطرية الإرهابية
إحالة المحامية المتهمة بتقطيع جثة والدتها بالإسكندرية إلى الطب النفسي
اليوم.. استكمال محاكمة 5 متهمين في قضية خلية حلوان
أسعار الذهب اليوم الجمعة 24-7-2026 فى محلات الصاغة
سعر الدواجن اليوم الخميس في الأسواق
أسعار الدولار رسميا في مصر اليوم السبت
سعر الذهب اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 في محلات الصاغة..