الإثنين 27 يوليو 2026 11:01 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب: يوليو يناير يونيو مصر

د. محمد هناء الدين
د. محمد هناء الدين

في تحليل التحولات الكبرى في تاريخ الدول لا يكفي النظر الى لحظة الانفجار بل يجب تفكيك السياق وبنية الفعل السياسي ومسارات ما بعد الحدث لان السياسة ليست شعارات بل توازنات قوة وشرعية ومؤسسات ومن هنا تبرز اهمية المقارنة بين ثلاثة تواريخ شكلت وعي الدولة المصرية الحديثة الثالث والعشرون من يوليو والخامس والعشرون من يناير والثلاثون من يونيو
في يوليو نحن امام حالة كلاسيكية في علم السياسة لما يسمى بالانقلاب العسكري حيث تتحرك مجموعة منظمة من داخل المؤسسة المسلحة للاستيلاء على السلطة وازاحة النظام القائم دون تفويض شعبي مباشر في لحظة البداية هذا هو التعريف الدقيق لكن هذا التعريف لا يكتمل دون تتبع ما جرى لاحقا اذ ان هذا الفعل العسكري وجد احتضانا شعبيا تدريجيا نتيجة السياسات التي تبناها مثل اعادة توزيع الثروة وتفكيك بنية الاقطاع ورفع شعارات الاستقلال الوطني وهنا يتحول الانقلاب من مجرد تغيير في قمة السلطة الى مشروع سياسي اعاد تشكيل المجتمع والدولة واكتسب شرعية لاحقة قائمة على الانجاز والتعبئة الجماهيرية وليس على نقطة البداية
اما يناير فتمثل نموذجا مختلفا تماما حيث كان الحراك شعبيا خالصا في انطلاقته خرجت الجماهير دون قيادة موحدة او برنامج سياسي متكامل مطالبة باسقاط النظام وقد نجحت في تحقيق هذا الهدف الجزئي لكن من منظور علمي لا يكفي اسقاط رأس السلطة لاعتبار الحدث ثورة مكتملة فالثورة كما تعرفها ادبيات العلوم السياسية هي عملية تغيير جذري في بنية السلطة والنظام الاجتماعي تنتج نظاما جديدا مستقرا بشرعية بديلة وهذا ما لم يتحقق في يناير اذ دخلت البلاد في حالة سيولة سياسية وغياب للتوافق حول شكل الدولة وهو ما فتح المجال لقوى اكثر تنظيما لملء الفراغ دون ان تعكس بالضرورة التوازن الحقيقي في المجتمع وبالتالي بقيت يناير اقرب الى انتفاضة كبرى او موجة احتجاجية نجحت في الهدم ولم تكتمل في البناء
ثم تأتي يونيو لتقدم حالة مركبة تجمع بين العنصرين الشعبي والمؤسسي فقد انطلقت ايضا من الشارع لكن في سياق مختلف حيث كانت هناك تجربة حكم قائمة افرزت حالة استقطاب حادة ورفضا واسعا فجاء الحراك الشعبي موجها بهدف واضح هو تغيير المسار وليس فقط التعبير عن الغضب ومع اتساع الحشد الشعبي تدخلت المؤسسة العسكرية باعتبارها الفاعل القادر على ترجمة هذا الضغط الى واقع سياسي جديد وهنا يتشكل نمط ثالث في التحولات السياسية ليس انقلابا تقليديا لان الدافع والغطاء شعبي واسع وليس انتفاضة غير مكتملة لان النتيجة كانت اعادة بناء السلطة عبر مسار انتقالي انتهى باعادة تشكيل مؤسسات الدولة وطرح قيادة جديدة عبر آليات انتخابية
الفارق الجوهري بين الحالات الثلاث لا يكمن فقط في من بدأ الحدث بل في كيفية تطوره والنتائج التي انتهى اليها يوليو بدأ من اعلى اي من داخل الدولة ثم نزل الى المجتمع واكتسب شرعية لاحقة يناير بدأ من اسفل اي من الشارع لكنه لم ينجح في الصعود الى مستوى بناء الدولة يونيو بدأ من الشارع لكنه لم يبق فيه بل تلاقى مع مؤسسات الدولة فانتج مسارا اكثر تماسكا
ومن زاوية اخرى يمكن قراءة هذه الاحداث من خلال مفهوم الشرعية السياسية هناك شرعية ثورية تقوم على القدرة على التغيير وفرض واقع جديد وهناك شرعية اجرائية تقوم على الانتخابات والقوانين وهناك شرعية ادائية تقوم على ما يقدمه النظام من استقرار وانجاز يوليو اكتسب شرعيته من المزج بين الثورية والادائية يناير افتقدت التحول الى اي من هذه الاشكال بشكل مكتمل يونيو سعت الى الجمع بين الشرعية الشعبية المباشرة والشرعية المؤسسية عبر اعادة بناء النظام
في النهاية لا يمكن اختزال هذه الاحداث في توصيفات جامدة دون فهم السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي لكل منها فالدول لا تتشكل بلحظة واحدة بل عبر تراكمات وما يبدو تشابها في الشكل قد يخفي اختلافا جذريا في الجوهر ولهذا تبقى المقارنة بين يوليو ويناير ويونيو مفتاحا لفهم كيف تتغير الدول وكيف تفشل او تنجح محاولات اعادة بنائها

د. محمد هناء الدين يوليو يناير يونيو مصر الجارديان المصريه