السبت 8 أغسطس 2026 11:42 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد عبدالله القاضى يكتب : الأوطان تبنيها سواعد الشرفاء

الجارديان المصرية

إن أعظم ما يُبتلى به التاريخ البشري هو تلك اللحظة الفارقة التي يختلط فيها الحابل بالنابل، وتتراجع فيها معايير الأخلاق لتفسح المجال أمام العبث بمقدرات الشعوب. ولعل أصدق ما وصف هذه المأساة التاريخية والمستمرة تلك المقولة الخالدة التي لخصت داء الأمم في سطرين: "لا يمكن لأي وطن أن يقف على قدميه، واللصوص يحرسون خزائنه". هذه العبارة ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي قاعدة اجتماعية وسياسية واقتصادية صلبة، تقوم عليها نهضة الدول أو تفككها.
​على الصعيد السياسي، تُمثل سيطرة الفاسدين على مفاصل المال العام الانهيار الفعلي لمفهوم الدولة الحديثة. فالسياسة الحقة وُجدت لخدمة المجتمع، وحماية مصالحه العليا، وتوزيع الثروات بعدالة تكفل العيش الكريم لكل مواطن. أما حين تتحول المؤسسات إلى قلاع يحرسها "اللصوص"، فإن العملية السياسية تفقد بمعناها الجوهري شرعيتها. إن غياب الرقابة الحقيقية ووجود طبقة منتفعة تعتاش على نهب المال العام يؤديان حتماً إلى تآكل الثقة بين الحاكم والمحكوم. وحين ينعدم الأمان السياسي والاقتصادي، يصبح الوطن أشبه بسفينة تواجه العواصف، بينما يعمد من فيها إلى ثقب هيكلها طمعاً في غنيمة مؤقتة، غافلين عن أن الغرق سيشمل الجميع بلا استثناء.
​أما اجتماعياً، فإن أكبر كارثة يفرزها هذا الواقع هي هدم منظومة القيم والأخلاق. عندما يرى الأجيال الصاعدة أن المتصدرين للمشهد هم من أكلوا حقوق الناس وتطاولوا على المال العام دون عقاب رادع، يحدث شرخ عميق في الضمير الجمعي. تتراجع قيمة العمل والإتقان والشرف، وتبرز ثقافة التكسب السريع والوصولية على حساب المبادئ. هذا الخلل المجتمعي ينعكس مباشرة على التكافل والتضامن، ليتحول المجتمع إلى جزر غارقة في الأنانية، حيث يفقد الضعيف سنده، وينتشر الظلم والقهر، وتتفكك الروابط التي تجمع أبناء الوطن الواحد تحت مظلة الانتماء والكرامة.
​اقتصادياً وتنموياً، تنكشف المأساة بوضوح أشد. لا يمكن لأي خطط تنموية أن تُثمر، ولا لأي برامج للنهوض الاقتصادي أن تنجح، في ظل وجود عقول تختزل الوطن في خزائنها الشخصية. إن الأموال المنهوبة أو المهدرة في مشروعات وهمية وفساد إداري هي في الأصل حق أصيل للأجيال القادمة، وهي الوسيلة الوحيدة لبناء المدارس، والمستشفيات، وتوفير فرص العمل، ودعم البنية التحتية. حين يُعهد بحراسة الخزائن إلى غير الأمناء، ينزف الاقتصاد الوطني دمه تدريجياً، وتتراكم الديون، وتتراجع مؤشرات التنمية، لتتحول الدول الغنية بثرواتها إلى بلدان تعاني العجز والفقر، وتبقى رهينةً للمساعدات والتبعية.
​ومن هنا يأتي الدور التوعوي الضروري والملحّ؛ إذ إن مواجهة هذا الخراب لا تبدأ فقط بالقوانين والإجراءات الأمنية، بل تبدأ أولاً بإيقاظ الوعي الجمعي. فالمجتمعات لا تنهض إلا بوعي أبنائها وإدراكهم لمخاطر السكوت على الفساد، وترسيخ ثقافة الرقابة المجتمعية وإعلاء مبدأ سيادة القانون الذي لا يستثني أحداً، وتذكير الأجيال بأن الأوطان تبنيها سواعد الشرفاء، وأن حراسة المكتسبات الوطنية هي أمانة في رقبة كل مواطن حر شريف.
​إن الأوطان قادرة دائماً على النهوض من كبواتها، مهما اشتدت المحن وتكاثرت الظلمات، شريطة أن تُنفض عن عاتقها أيدي العابثين، وأن يُعاد الاعتبار للكفاءات والنزهاء. فحين يتولى الأكفياء حراسة مقدرات البلاد، ويستعيد الضمير الحي مكانته، ستقف الأوطان على قدميها شامخة، لتستأنف مسيرتها نحو المجد والازدهار والعدالة.

محمد عبدالله القاضى الأوطان تبنيها سواعد الشرفاء مقالات محمد عبدالله القاضي الجارديان المصريه