الثلاثاء 11 أغسطس 2026 11:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

اسامه محمد يكتب: فوضى المنصات الرقمية :أزمة التعبير وغياب آداب الحوار

الكاتب أسامة محمد
الكاتب أسامة محمد

إذا انتقلنا ببصرنا وعقولنا من منظومة الفكر والنقاش الرصين إلى الساحة الرقمية المفتوحة، نصطدم بواقع مغاير تماماً واقع تعمه الفوضى وتغمره الثرثرة وصخب بلا معاناة في الفضاء الرقمي.

فالمشكلة اليوم على منصات التواصل الاجتماعي لا تكمن فقط في تضارب الآراء أو اختلاف وجهات النظر، بل في كيفية التعبير عن تلك الآراء، وفي ذلك الانحدار الملحوظ في أدبيات الحوار وقواعد الاشتباك الفكري.

فعندما تختفي الضوابط الأخلاقية والمهنية التي تحكم المجتمعات الواقعية، يتحول الحوار الرقمي في كثير من الأحيان إلى حلبة صراع عبثية لا يهم فيها الوصول إلى حقيقة، بل يهم فيها تسجيل الحضور، ولو بالصراخ أو الاستهزاء.

ويفتقر الكثيرون إلى القدرة على التعبير الهادئ والعميق، فيلجؤون إلى الإثارة، والعناوين الرنانة، والتعليقات السطحية الجاهزة التي تفتقر إلى أبسط قواعد الذوق العام.

كما أن الكثيرين لا يكثرثون لكلمتهم فالكلمة تكتب بخفة وتنشر في أجزاء من الثانية، دون أي شعور بالمسؤولية الأخلاقية أو الاجتماعية تجاه تأثيرها.

هكذا أصبحت المنصات الرقمية مصنعاً للثرثرة العمياء، حيث يكتب الجميع في كل شيء، ودون أن يمتلك أحدهم أدوات النقد أو الفهم الحقيقي للموضوع المطروح.

من هنا يجب أن ندرك أن ما نكتبه يبقى شاهداً علينا، وأن الكلمة الطيبة أو المبررة بدليل هي بناء، بينما الكلمة العبثية والجارحة هدم للمجتمع الفكري.

إن تصحيح هذا الاعوجاج الرقمي لا يتطلب قوانين صارمة فحسب، بل يستدعي ثورة أخلاقية وثقافية في طريقة استخدامنا لهذه المنصات فالحوار ليس استعراضاً للصوت العالي، بل هو فن استماع واحترام للرأي الآخر، وتقديم للفكرة بأسلوب راقٍ وجميل.

حين نتعلم كيف نحترم عقول بعضنا البعض على هذه المنصات، وحين ندرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بكثرة ما يقول بل بجمال ما يطرح وعمق ما يفكر، سنتمكن حينها فقط من تحويل الفضاء الرقمي من غابة للثرثرة إلى منبر حقيقي للتنوير والوعي.

أسامة محمد فوضى المنصات الرقمية :أزمة التعبير وغياب آداب الحوار الجارديان المصريه