الجمعة 14 أغسطس 2026 05:49 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الكبير فرحات جنيدي يكتب: سناء شافع.. حين كان الفنان يعرف لماذا يقف على الخشبة

الكاتب الكبير فرحات جنيدي
الكاتب الكبير فرحات جنيدي

في زمنٍ أصبح فيه الوصول إلى الشهرة أسهل من الوصول إلى المعرفة، يصبح استدعاء اسم سناء شافع فعلَ مقاومةٍ صغيرة ضد النسيان.

ليس لأن الرجل كان مشهورًا بالمعنى الذي تحبه الشاشات.

بل لأنه كان يعرف شيئًا نادرًا:

أن الفن لا يبدأ من الكاميرا... وإنما يبدأ من السؤال.

من هنا أفهم سناء شافع.

لا باعتباره ممثلًا رحل في الثانية والسبعين من عمره، ولا باعتباره واحدًا من أصحاب الوجوه التي عرفها جمهور الدراما المصرية، وإنما باعتباره واحدًا من أولئك الذين عاشوا الفن باعتباره مشروعًا فكريًا كاملًا.

وُلد في 25 يناير 1943 بقرية موشا في أسيوط، وعاش سنوات طفولته الأولى في الصعيد قبل أن ينتقل إلى القاهرة مع والده، العالم الأزهري. وبين موشا والجمالية والحسين تشكلت شخصية ستصبح فيما بعد شديدة الخصوصية؛ شخصية تجمع بين صرامة المعرفة وروح الفنان.

لكن القاهرة لم تكن بالنسبة إليه نهاية الطريق.

كانت بدايته.

دخل عالم المسرح من بوابة الهواة في شارع عماد الدين، ثم ذهب إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، وهناك لم يكتفِ بأن يتعلم كيف يمثل، وإنما بدأ يتعلم كيف يفكر في التمثيل.

وهذه نقطة فارقة.

فبعض الفنانين يدرسون الفن كي يصبحوا فنانين.

أما سناء شافع فكان يدرس الفن كي يفهم لماذا يصبح الإنسان فنانًا أصلًا.

ثم جاءت ألمانيا.

وهنا تتسع الحكاية.

لم يكن سفره مجرد بعثة أكاديمية تُضاف إلى السيرة الذاتية، وإنما كان انتقالًا إلى بيئة مسرحية مختلفة تمامًا، درس فيها الإخراج والدراماتورج، وانشغل بالمسرح الألماني وبفكر برتولت بريخت، ثم عاد إلى مصر محملًا بتجربة جعلته يرى الخشبة باعتبارها مكانًا للفكر بقدر ما هي مكان للأداء.

وهنا أظن أن سناء شافع ارتكب خطأً جميلًا...

لم يختصر نفسه في مهنة واحدة.

كان يستطيع أن يكتفي بالتمثيل.

لكنه ذهب إلى الإخراج.

وكان يستطيع أن يكتفي بالإخراج.

لكنه ذهب إلى التدريس.

وكان يستطيع أن يكتفي بالتدريس.

لكنه ظل ممثلًا.

وكان يستطيع أن يطلب النجومية.

لكنه اختار شيئًا أصعب:

أن يكون له موقف من الفن.

أخرج اللي رقصوا على السلم، ثم قدم دون كيشوت، وعمل في مسارح الدولة، وتولى إدارة مسرح الطليعة في منتصف السبعينيات. ولم تكن تلك المناصب بالنسبة إليه مجرد عناوين إدارية؛ فقد كان المسرح بالنسبة له بيتًا فكريًا، وليس مؤسسة تؤدي وظيفة.

ثم جاءت المرحلة التي ربما صنعت أكبر أثر له ولم تمنحه الشهرة التي يستحقها.

التلاميذ.

دخل المعهد العالي للفنون المسرحية مدرسًا للتمثيل والإخراج، ثم أصبح عميدًا للمعهد بين عامي 1987 و1990.

وهنا أتوقف قليلًا...

لأنني التقيت سناء شافع أكثر من مرة، وفي كل لقاء كنت أخرج بإحساس واحد لا يتغير: لم أكن أتحدث إلى ممثل، ولا إلى أستاذ جامعي، وإنما كنت أجلس أمام فيلسوف كبير.

كان حديثه يتجاوز الحكاية إلى الفكرة، ويتجاوز المهنة إلى الحياة، وكانت كلماته تفتح أمامك أسئلة جديدة أكثر مما تقدم لك إجابات جاهزة.

ولذلك، كلما استعدت تلك اللقاءات الآن، أكتشف أنني لم أكن ألتقي سناء شافع الفنان فقط، بل كنت أقترب في كل مرة من عقل واسع كان يعيش بيننا في هدوء، دون أن يطلب من أحد أن ينتبه إلى عظمته.

وهنا تكمن عظمة الأستاذ.

الأستاذ الحقيقي لا يصنع نسخة منه.

إنه يساعدك على اكتشاف النسخة التي تستطيع أن تكونها أنت.

ولهذا فإن الحديث عن سناء شافع من خلال أفلامه ومسلسلاته فقط يشبه الحديث عن نهر طويل من خلال قطرة واحدة.

لقد ظهر في السينما والتليفزيون في أدوار عديدة؛ من حتى لا يطير الدخان إلى فوزية البرجوازية، ومن الزيني بركات إلى حضرة المتهم أبي والجماعة وغيرها.

لكن الشاشة، في رأيي، لم تكن المكان الذي يمكن أن تختصر فيه تجربته.

كانت الشاشة تعرف وجهه.

أما المسرح...

فكان يعرف عقله.

وهذه هي المسافة التي يجب أن ننتبه إليها ونحن نتحدث عنه اليوم.

سناء شافع لم يكن من جيل الفنان الذي يبحث عن اللقطة.

كان من جيل يبحث عن المعنى.

ولهذا ربما لم تتحول صورته إلى أيقونة جماهيرية بالمعنى السهل للكلمة.

كان أكثر تعقيدًا من ذلك.

وجهه يحمل شيئًا من الأستاذ.

وصوته يحمل شيئًا من المسرح.

وطريقته تحمل شيئًا من الرجل الذي قرأ كثيرًا قبل أن يتكلم.

وهذه الصفات لا تصنع دائمًا نجمًا جماهيريًا...

لكنها تصنع قيمة.

والقيمة، بعكس الشهرة، تحتاج إلى وقت حتى تظهر.

في 12 أغسطس 2020 غاب سناء شافع.

وفي اليوم الذي غاب فيه، لم تخسر الشاشة ممثلًا فقط، بل خسر المسرح المصري واحدًا من جسور المعرفة بين أجياله.

فقد كان من الجيل الذي حمل شيئًا من ميراث الرواد، ثم وضعه في أيدي من جاءوا بعده.

ولذلك فإنني لا أحب أن أضعه في قائمة الفنانين الراحلين ثم أترك اسمه للذكرى السنوية.

هذا ظلم آخر.

سناء شافع ليس ذكرى.

سناء شافع سؤال.

السؤال عن معنى أن تكون فنانًا في بلد يملك تاريخًا مسرحيًا هائلًا.

السؤال عن علاقة الفنان بالمعرفة.

السؤال عن الأستاذ الذي يترك أثره في طلابه أكثر مما يتركه في صور الصحف.

والسؤال الأهم:

هل ما زلنا نريد فنانًا يعرف لماذا يفعل ما يفعل؟

أم أصبح يكفينا أن يظهر أمام الكاميرا؟

هنا تحديدًا أفهم قيمة سناء شافع.

لقد جاء من موشا بأسيوط، وعبر القاهرة، وسافر إلى ألمانيا، وعاد إلى المسرح، ثم إلى الأكاديمية، ثم إلى الشاشة، وظل طوال هذه الرحلة يبحث عن شيء واحد:

أن يجعل الفن أكثر وعيًا بنفسه.

ولهذا لا أريد أن أقول في ذكرى رحيله:

رحم الله الفنان الكبير سناء شافع...

وأمضي.

أريد أن أقول:

رحم الله زمنًا كان فيه الفنان يقرأ قبل أن يتصدر، ويدرس قبل أن يعلّم، ويعرف قيمة الخشبة قبل أن يعرف قيمة الشهرة.

ورحم الله سناء شافع...

الرجل الذي لم يقف على المسرح ليُرى فقط...

بل وقف عليه لأنه كان يعرف لماذا يقف.

#فرحات_جنيدي

فرحات جنيدي سناء شافع.. حين كان الفنان يعرف لماذا يقف على الخشب الجارديان المصريه