السبت 15 أغسطس 2026 08:59 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد رمضان يكتب : خلف الستار الرقمي... هل نحن ضحايا لمشاركتنا اليومية؟

الباحث محمد رمضان
الباحث محمد رمضان

بعد أن بدأ عصر التكنولوجيا في عالمنا المعاصر، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات. فمنذ ظهورها في أواخر التسعينيات، تطورت هذه المنصات من وسائل بسيطة للتواصل إلى أدوات لا غنى عنها في المنزل والعمل والتعليم. وقد أحدثت ثورة حقيقية في تبادل المعلومات، وكسرت الحواجز الجغرافية، وفتحت آفاقًا جديدة للتفاعل الرقمي، حتى أصبح التواصل بين الأشخاص في مختلف أنحاء العالم يتم خلال ثوانٍ معدودة.

ومع هذا التوسع الكبير في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، برزت العديد من التحديات، وفي مقدمتها قضية الخصوصية، ولا سيما فيما يتعلق بمشاركة الصور الشخصية والعائلية ومقاطع الفيديو. فما يبدو للوهلة الأولى مجرد تصرف بسيط وغير ضار، كتحميل صورة شخصية أو عائلية، قد يحمل في طياته مخاطر متعددة، تبدأ بانتهاك الخصوصية، وقد تصل إلى مشكلات قانونية واجتماعية ونفسية خطيرة. لذلك، فإن التعامل مع هذه المنصات يتطلب وعيًا بطبيعة عملها، وإدراكًا للمخاطر التي قد تنتج عن الاستخدام غير الواعي أو المفرط.

لقد غيّرت التكنولوجيا مفهوم الخصوصية، فأصبحت المعلومات تنتشر بسرعة كبيرة، مما يجعل السيطرة عليها أمرًا بالغ الصعوبة. كما أن كثيرًا من المستخدمين لا يدركون أن الصور أو مقاطع الفيديو التي ينشرونها قد تبقى محفوظة على الإنترنت حتى بعد حذفها، وقد تُستخدم بطرق لم تكن في الحسبان، مثل انتحال الشخصية، أو الابتزاز الإلكتروني، أو استغلال البيانات الشخصية في أغراض تجارية أو غير قانونية. ويزداد هذا الخطر مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت قادرة على تعديل الصور وإنشاء محتوى مزيف يصعب التمييز بينه وبين المحتوى الحقيقي.

ومن ناحية أخرى، فإن مشاركة الصور العائلية لا تؤثر في صاحب الحساب وحده، بل تمتد آثارها إلى جميع أفراد الأسرة، وخاصة الأطفال، الذين لا يملكون القدرة على الموافقة أو إدراك نتائج نشر صورهم على الإنترنت. وقد يترتب على ذلك انتهاك خصوصيتهم منذ سن مبكرة، مما يترك آثارًا قد تستمر معهم في المستقبل.

ومن الظواهر المنتشرة في العصر الرقمي أيضًا الإفراط في مشاركة تفاصيل الحياة اليومية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يحرص بعض الأشخاص على نشر صورهم وأنشطتهم بشكل متكرر وعلى مدار اليوم. ورغم أن هذا السلوك قد يكون بدافع مشاركة اللحظات الجميلة أو التواصل مع الآخرين، فإنه قد يؤدي إلى كشف كثير من المعلومات الشخصية، مثل مكان الإقامة، أو أماكن التواجد، أو العادات اليومية، مما يزيد من احتمالية التعرض لانتهاك الخصوصية أو الاستغلال الإلكتروني. كما قد ينعكس هذا السلوك سلبًا على الحياة الاجتماعية، إذ يجعل بعض الأفراد أكثر اعتمادًا على التفاعل الافتراضي، والسعي المستمر للحصول على الإعجابات والتعليقات، وهو ما قد يؤثر في صحتهم النفسية وعلاقاتهم الواقعية.

ومن الأمثلة الواقعية على مخاطر الإفراط في النشر، تعرض عدد من الأسر في دول مختلفة لعمليات سرقة بعد أن نشر أفرادها صورًا وفيديوهات أثناء سفرهم، الأمر الذي كشف أن منازلهم خالية من السكان. وقد استغل بعض اللصوص هذه المعلومات ونفذوا السرقات خلال فترة غياب أصحاب المنازل. ولهذا حذرت جهات أمنية في العديد من الدول من نشر الموقع الجغرافي أو تفاصيل السفر بشكل مباشر، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر أمنية حقيقية.

وفي الختام، يتضح أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عنصرًا أساسيًا في حياتنا، وأسهمت في تسهيل التواصل وتبادل المعلومات بصورة غير مسبوقة. إلا أن هذه المزايا تقابلها تحديات حقيقية، يأتي في مقدمتها انتهاك الخصوصية نتيجة الإفراط في مشاركة الصور والمعلومات الشخصية دون إدراك للعواقب. لذلك، أصبح من الضروري نشر الوعي الرقمي بين أفراد المجتمع، وتعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، حتى نستفيد من مزاياها دون أن نكون ضحايا لمخاطرها.


#محمد رمضان
باحث بقسم الفلسفه جامعه العاصمة

محمد رمضان خلف الستار الرقمي... هل نحن ضحايا لمشاركتنا اليومية؟ الجارديان المصريه