السبت 15 أغسطس 2026 09:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب: الفقراء قاعدين على الرصيف برّه خطوط الدنيا العريضة

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

الفقراء قاعدين على الرصيف... برّه خطوط الدنيا العريضة، يشاهدون الحياة وهي تمر أمامهم مسرعة، بينما هم لا يملكون حتى تذكرة العبور. يقفون في طابور طويل لا يعرفون متى يبدأ ولا متى ينتهي، طابور اسمه الحاجة، وضيق الحال، وانكسار الظهر، وانتظار الفرج الذي أصبح بالنسبة لكثيرين منهم أمنية مؤجلة من عام إلى عام، ومن وعد إلى وعد.
الفقر لم يعد مجرد أن يكون الإنسان قليل المال، أو أن يعيش في بيت متواضع، أو أن يرتدي ملابس بسيطة. الفقر اليوم أصبح حالة كاملة من الحرمان؛ حرمان من الطعام الجيد، ومن العلاج المناسب، ومن التعليم الذي يفتح الأبواب، ومن السكن الآمن، ومن القدرة على مواجهة المرض، ومن فرصة العمل، ومن الشعور بالأمان، بل وأحيانًا من الحق في أن يحلم الإنسان بمستقبل أفضل.
هناك إنسان فقير لا يستطيع أن يشتري كيلو من اللحم، وهناك آخر لا يستطيع شراء الدواء، وثالث لا يملك ثمن مصروفات مدرسة أبنائه، ورابع يعمل طوال النهار ثم يعود إلى بيته وهو يحمل في جيبه مبلغًا لا يكفي لشراء احتياجات يوم واحد. وهناك من قضى عشرات السنين في العمل، ثم اكتشف بعد خروجه إلى المعاش أن سنوات عمره كلها لم تمنحه حق الراحة، وأن عليه أن يبدأ رحلة جديدة مع الحاجة.
الفقر لا يظهر دائمًا في الملابس الرثة.
أحيانًا يكون الفقر في أبٍ يجلس وحده ليلًا يحسب ما تبقى من راتبه، ثم يكتشف أن عليه أن يختار بين فاتورة الكهرباء وشراء الدواء. ويكون في أم تخفي دموعها عن أطفالها عندما يطلب أحدهم شيئًا بسيطًا لا تستطيع شراءه. ويكون في طفل ينظر إلى زميله وهو يخرج من المدرسة حاملاً حقيبة جديدة، بينما حقيبته القديمة تحمل آثار سنوات طويلة من الاستعمال.
الفقر موجود في البيوت التي لا يراها أحد.
في غرف صغيرة مزدحمة بالبشر والأحلام المؤجلة، في مطابخ لا يعرف أصحابها ماذا سيضعون على النار غدًا، وفي آباء وأمهات يبتسمون أمام أبنائهم حتى لا يشعر الأطفال بأن الحياة أقسى مما ينبغي.
الفقر أيضًا أصبح معركة يومية مع الأسعار.
فالفقير لا يعيش على الأرقام الموجودة في التقارير، وإنما يعيش على الأسعار الموجودة أمامه في السوق. لا يهمه كثيرًا أن يسمع أن التضخم انخفض أو أن الاقتصاد يتحسن إذا كان دخله لا يستطيع أن يلحق بمتطلبات الحياة. بالنسبة له، التحسن الحقيقي هو أن يدخل السوق ويخرج منه دون أن يشعر أن جيبه تعرض لمعركة جديدة.
كل شيء أصبح له ثمن، والطعام له ثمن، والدواء له ثمن، والتعليم له ثمن، والمواصلات لها ثمن، والسكن له ثمن، وحتى المرض له ثمن باهظ.
والفقير هو أكثر الناس دفعًا لهذا الثمن.
لأنه عندما ترتفع الأسعار يستطيع الغني أن يقلل بعض الكماليات، أما الفقير فلا يملك أصلًا رفاهية الكماليات. عندما يرتفع سعر الطعام، لا يستطيع أن يقول: سأشتري طعامًا أقل جودة فقط، لأنه ربما كان بالفعل يشتري الأرخص. وعندما يرتفع سعر الدواء، لا يستطيع أن يقول: سأؤجل العلاج، لأن المرض لا ينتظر الراتب القادم.
وعندما ترتفع تكلفة التعليم، يجد نفسه أمام سؤال قاسٍ: هل أترك ابني يكمل تعليمه، أم أبحث له عن عمل يساعد الأسرة؟
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
لأن الفقر لا يسرق من الإنسان ماله فقط، بل يحاول أن يسرق من أبنائه المستقبل.
طفل فقير قد يكون بداخله طبيب أو مهندس أو معلم أو عالم أو فنان، لكنه قد يضطر إلى ترك أحلامه مبكرًا لأن الأسرة تحتاج إلى من يساعدها في مصاريف الحياة.
كم موهبة ماتت قبل أن ترى النور لأن أصحابها ولدوا في بيوت فقيرة؟
وكم عقلًا عبقريًا ضاع لأنه لم يجد من يكتشفه؟
وكم طفلًا كان يمكن أن يغير حياة أسرته والمجتمع كله، لكنه اضطر إلى العمل قبل أن يعرف معنى الطفولة؟
هذه ليست مشكلة الفقير وحده.
هذه خسارة للمجتمع كله.
عندما يجلس طفل موهوب على الرصيف بدل أن يجلس على مقعد الدراسة، فنحن لا نخسر طفلًا فقط، وإنما نخسر مستقبلًا كاملًا.
وعندما يضطر شاب إلى قبول أي عمل مهما كان مرهقًا أو مهينًا لأنه لا يجد فرصة حقيقية، فإننا لا نخسر كرامته فقط، وإنما نخسر طاقته وقدرته على الإبداع.
وعندما يتحول صاحب الخبرة بعد سنوات طويلة من العمل إلى شخص يبحث عن عمل إضافي كي يستطيع شراء احتياجات أسرته، فإن المجتمع يكون قد أهدر جزءًا من ثروته البشرية.
والأشد قسوة أن الفقر أصبح أحيانًا يُعامل باعتباره خطأ من صاحبه.
كأن الفقير اختار أن يكون فقيرًا.
كأن الإنسان عندما وُلد كان يستطيع أن يختار الأسرة التي سيولد فيها، والحي الذي سيعيش فيه، والفرص التي ستتاح له، والتعليم الذي سيحصل عليه، والعمل الذي سيجده.
الحقيقة أن هناك فقراء يعملون أكثر من أغنياء، ويستيقظون قبل الشمس، ويعودون إلى بيوتهم بعد أن تكون أجسادهم قد أنهكها التعب.
هناك عامل يقف ساعات طويلة تحت الشمس.
وسائق يقضي عمره خلف عجلة القيادة.
وعامل نظافة يواجه القاذورات والأمراض من أجل أن تكون الشوارع نظيفة.
وفلاح يحمل هم الأرض والمياه والأسمدة والأسعار.
وبائع بسيط ينتظر ساعات طويلة أمام بضاعته، ثم يعود آخر اليوم بما بالكاد يكفي أسرته.
وعاملة تقف على قدميها طوال اليوم، ثم تعود إلى بيتها لتبدأ وردية أخرى من العمل المنزلي.
كل هؤلاء قد يكونون فقراء، لكنهم ليسوا كسالى.
الفقر في كثير من الأحيان ليس نتيجة الكسل، وإنما نتيجة نظام من الظروف المتراكمة التي تجعل الإنسان يعمل كثيرًا ويحصل على القليل.
ومن أكثر المشاهد إيلامًا أن ترى إنسانًا تجاوز الستين، قضى عمره في خدمة الناس، ثم يقف في طابور طويل من أجل معاش أو خدمة أو علاج، وكأنه يطلب شيئًا ليس من حقه.
الذين بنوا البيوت، وشقوا الطرق، وزرعوا الأرض، وربوا الأجيال، وحملوا البضائع، ونظفوا الشوارع، وحرسوا المنشآت، وعملوا في المصانع والورش والمصالح، هؤلاء ليسوا أرقامًا في دفاتر.
هؤلاء هم الذين قامت على أكتافهم الحياة.
لكن كثيرًا منهم وصلوا إلى مرحلة أصبحوا فيها يخافون من المرض أكثر من خوفهم من الموت، لأن المرض بالنسبة للفقير قد يعني انهيار ميزانية الأسرة بالكامل.
الدواء ليس مجرد علبة دواء بالنسبة للفقير.
الدواء قد يكون طعام يومين.
وقد يكون أجرة مواصلات.
وقد يكون مصروف مدرسة.
وقد يكون فاتورة كهرباء.
ولهذا فإن الفقير عندما يمرض لا يسأل فقط: ما العلاج؟
بل يسأل أولًا: كم سعره؟
وهذا السؤال وحده يكشف حجم المأساة.
وفي البيوت الفقيرة، لا يعيش الإنسان وحده تحت ضغط الحاجة، بل يعيش معه شعور دائم بالخوف.
الخوف من الغد.
الخوف من فقدان العمل.
الخوف من المرض.
الخوف من زيادة الأسعار.
الخوف من طرد صاحب البيت.
الخوف من احتياج أحد الأبناء إلى شيء لا يستطيع توفيره.
الخوف من أن تأتي مناسبة اجتماعية ولا يستطيع شراء ما يلزمها.
حتى المناسبات السعيدة أصبحت بالنسبة لبعض الأسر مصدرًا للقلق.
العيد يحتاج إلى ملابس.
والمدرسة تحتاج إلى مستلزمات.
والزواج يحتاج إلى أموال.
والوفاة تحتاج إلى نفقات.
والمرض يحتاج إلى علاج.
وكأن الفقير يعيش في امتحان مستمر، وكل سؤال فيه يحتاج إلى أموال لا يملكها.
والأكثر وجعًا أن الفقر لا يؤلم الجيوب فقط، بل يؤلم النفوس.
قد تجد فقيرًا يرفض طلب المساعدة لأنه يشعر أن كرامته تمنعه.
وقد تجد أمًا تستدين من جارتها ثم تحاول إخفاء الأمر عن زوجها حتى لا يشعر بالعجز.
وقد تجد أبًا يضحك أمام أبنائه بينما قلبه يبكي لأنه لا يستطيع تحقيق أبسط مطالبهم.
هناك أناس لا يحتاجون إلى من يعطيهم صدقة، بقدر ما يحتاجون إلى فرصة عمل عادلة تحفظ لهم كرامتهم.
الإنسان يريد أن يعمل.
يريد أن يأكل من عرق جبينه.
يريد أن يشعر أن له مكانًا في هذه الحياة.
يريد أن يقول لأبنائه: "أنا قادر على توفير احتياجاتكم."
لكن عندما تصبح فرص العمل قليلة، والأجور ضعيفة، ومتطلبات الحياة كثيرة، يصبح الإنسان محاصرًا بين ثلاثة جدران: الحاجة، والديون، والعجز.
ومن هنا تبدأ الدائرة التي يصعب كسرها.
دخل قليل يؤدي إلى ديون.
الديون تؤدي إلى ضغط.
الضغط يؤدي إلى مشاكل أسرية.
المشاكل تؤثر على الأبناء.
والأبناء يعيشون في ظروف أصعب.
ثم ينتقل الفقر من جيل إلى جيل.
وهذه أخطر صورة للفقر؛ أن يتحول من ظرف مؤقت إلى ميراث.
أن يولد الطفل فقيرًا، ثم يكبر فقيرًا، ثم يتزوج فقيرًا، ثم ينجب أطفالًا يواصلون المسيرة نفسها.
هنا لا يصبح الحديث عن المساعدة وحدها كافيًا.
نحن نحتاج إلى كسر الحلقة.
نحتاج إلى تعليم حقيقي، وفرص عمل حقيقية، وأجور عادلة، ورعاية صحية تحفظ كرامة الإنسان، ومساكن مناسبة، وحماية اجتماعية تصل إلى مستحقيها، ومشروعات صغيرة تستطيع أن تحول الإنسان من طالب للمساعدة إلى منتج.
الفقراء لا يريدون أن يعيشوا على موائد الآخرين إلى الأبد.
هم يريدون أن تكون لهم موائدهم.
لا يريدون أن ينتظروا كرتونة غذاء كل شهر.
يريدون عملًا يستطيعون من خلاله شراء الطعام بأيديهم.
لا يريدون أن يقفوا في طوابير الصدقات.
يريدون أن يقفوا في طوابير العمل.
وهنا يجب أن نتحدث عن حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، وأن نسأل بصراحة دون تجميل ولا مزايدة: أين الحكومة من فقراء ومحتاجي الوطن؟
نعم، هناك برامج للحماية الاجتماعية، وهناك دعم نقدي، وهناك مبادرات تستهدف الأسر الأولى بالرعاية، وهناك جهود معلنة لمساندة الفئات الأكثر احتياجًا. لكن المواطن البسيط لا يعيش داخل البيانات الرسمية، ولا يستطيع أن يقيس حياته بعدد البرامج المعلنة، وإنما يقيسها بما يبقى في جيبه بعد أن يدفع ثمن الطعام والدواء والمواصلات والكهرباء والتعليم.
يا حكومة مدبولي، الفقير لا يعيش على الأرقام، ولا يأكل من عبارات الإصلاح الاقتصادي، ولا يستطيع أن يضع انخفاض التضخم في طبق الطعام أمام أولاده.
الفقير يريد أن يعرف: ماذا سنأكل الليلة؟
ماذا سأفعل إذا مرض ابني؟
كيف سأدفع إيجار البيت؟
كيف سأشتري الدواء؟
كيف سأدفع مصاريف المدرسة؟
كيف سأواجه فاتورة الكهرباء والمياه والمواصلات؟
وكيف سأعيش حتى نهاية الشهر بعدما انتهى راتبي قبل أن ينتهي الشهر؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تصل إلى مكاتب الحكومة قبل أن تصل إلى صفحات الصحف.
الحكومة مطالبة بأن تنظر إلى الفقير ليس باعتباره مستفيدًا من برنامج دعم فقط، وإنما باعتباره مواطنًا له حق في حياة كريمة.
فالمساعدة المؤقتة قد تنقذ أسرة من أزمة، لكنها لا تبني مستقبلًا.
وكرتونة الغذاء قد تسد جوع يوم، لكنها لا تحل مشكلة البطالة.
والدعم النقدي قد يساعد الأسرة في مواجهة ظرف طارئ، لكنه لا يغني عن وظيفة مستقرة ودخل عادل وخدمات صحية وتعليمية محترمة.
المطلوب أن تنتقل سياسات مواجهة الفقر من مجرد محاولة تخفيف الألم إلى علاج أسبابه.
نريد أن نرى المزيد من فرص العمل الحقيقية للفقراء، ومشروعات صغيرة يستطيع الشباب وأصحاب الأسر أن يبدأوا بها، وتدريبًا حقيقيًا يفتح أبواب الرزق، ورقابة أقوى على الأسواق، وحماية أكبر للمواطن من الاستغلال، وخدمات صحية لا تجعل المريض الفقير يختار بين العلاج والطعام.
نريد أن تسأل الحكومة نفسها كل صباح: كم أسرة خرجت اليوم من دائرة الفقر؟ وكم شابًا وجد عملًا؟ وكم مريضًا حصل على علاجه دون أن يبيع ما يملك؟ وكم طفلًا فقيرًا حصل على فرصة تعليم حقيقية؟ وكم أسرة كانت على وشك الانهيار وتم إنقاذها؟
هذه هي الأرقام التي يجب أن تشغل الحكومة.
لأن نجاح أي حكومة لا يُقاس فقط بحجم المشروعات التي تُقام، ولا بعدد الطرق والكباري والمدن الجديدة، وإنما أيضًا بقدرتها على الوصول إلى الإنسان الذي يقف في آخر الصف.
ذلك الإنسان الذي لا يملك صوتًا عاليًا، ولا يستطيع أن يصل إلى مكاتب المسؤولين، ولا يملك وسيلة ضغط سوى أن يرفع يده إلى السماء ويقول: يا رب.
يا حكومة مدبولي، هناك ملايين لا يريدون المستحيل.
يريدون فقط أن يعيشوا.
يريدون أن يأكلوا دون أن يستدينوا.
أن يمرضوا دون أن يخافوا من ثمن الدواء.
أن يتعلم أبناؤهم دون أن يتحول التعليم إلى حمل ثقيل.
أن يعملوا دون أن تُهدر كرامتهم.
أن يكبروا دون أن يجدوا أنفسهم في نهاية العمر بلا حماية.
إن الفقير لا يطلب أن يأخذ من الغني ماله، ولا يريد أن يعيش في قصر، ولا يطالب برفاهية لا يستحقها.
إنه يريد فقط نصيبه العادل من الحياة.
والحكومة التي تنجح في أن تجعل الفقير يشعر بأنه مرئي، ومسموع، ومحمي، وأن كرامته محفوظة، هي حكومة نجحت في أهم اختبار يمكن أن تواجهه.
أما إذا ظل الفقير جالسًا على الرصيف، يرى عجلة التنمية تمر أمامه دون أن يستطيع اللحاق بها، فإن السؤال سيظل قائمًا، وسيظل يتردد في كل بيت فقير:
أين نحن من حسابات الدولة؟ وأين الدولة من حساباتنا؟
إن مصر لا يمكن أن تكون قوية بأغنيائها فقط، ولا يمكن أن يكون مستقبلها آمنًا إذا ظل جزء من أبنائها يشعرون أنهم خارج الصورة.
فالبلد التي تريد أن تتقدم إلى الأمام، يجب أن تأخذ بيد من تأخر في الطريق.
والحكومة التي تتحدث عن المستقبل، يجب أن تنظر أولًا إلى المواطن الذي لا يعرف كيف سيصل إلى الغد.
وهنا لا نريد شفقة على الفقراء، وإنما نريد عدالة.
لا نريد صدقة دائمة، وإنما نريد فرصة.
لا نريد أن يظل الفقير واقفًا في طابور المساعدة، وإنما نريد أن يقف في طابور العمل.
لأن أعظم حماية اجتماعية ليست أن تعطي الإنسان ما يأكله اليوم فقط، وإنما أن تمنحه القدرة على أن يكسب ما يأكله غدًا.
الفقر ليس أزمة مال فقط، بل أزمة كرامة وأمان ومستقبل.
وعندما يجلس الفقير على الرصيف، فليس المطلوب أن نلتقط له صورة ونمضي، ولا أن نضع في يده مبلغًا صغيرًا ثم نعتبر أننا أنهينا المشكلة.
المطلوب أن نسأله: لماذا وصلت إلى هنا؟ ومن الذي أغلق في وجهك أبواب الحياة؟ وكيف نفتحها من جديد؟
فقد يكون خلف هذا الفقير أبٌ أفنى عمره في العمل، أو أمٌّ تحملت فوق طاقتها، أو شابٌ لم يجد فرصة، أو طفلٌ لم يُمنح التعليم الذي يستحقه.
وفي النهاية، الفقراء ليسوا أرقامًا في بيانات الإحصاء، وليسوا صورًا تُلتقط في مواسم التبرعات، وليسوا أصواتًا تُسمع عندما نحتاج إلى الحديث عن التكافل.
الفقراء هم جزء أصيل من هذا الوطن.
هم الذين يعملون عندما ينام كثيرون، ويزرعون عندما يأكل الآخرون، وينظفون عندما تتسخ المدن، ويبنون عندما يسكن الناس، ويحملون البضائع التي تصل إلى أبواب البيوت، ويقفون خلف عجلة القيادة، وفي الورش والمصانع والحقول والمحال والمستشفيات والمدارس وكل مكان تدور فيه عجلة الحياة.
ولهذا فإن إنصاف الفقير ليس منّة.
إنه حق.
وإعطاء الإنسان فرصة عمل ليس صدقة.
وتوفير العلاج ليس رفاهية.
وتعليم أبناء الفقراء ليس تفضلًا.
وحماية كبار السن بعد سنوات العمل ليست جميلًا.
إنها مسؤولية.
لأن الوطن الذي يترك أبناءه على الرصيف، لا يستطيع أن يطلب منهم أن يشعروا بأنهم في قلب المشهد.
الفقراء قاعدين على الرصيف برّه خطوط الدنيا العريضة، لكنهم ليسوا برّه الوطن.
وإذا كانت هناك خطوط عريضة تُرسم لمستقبل البلد، فيجب أن يكون أول هذه الخطوط هو الإنسان.
فالبلاد لا تُقاس بعدد الأبراج، ولا بعرض الطرق، ولا بحجم المشروعات وحدها، وإنما تُقاس أيضًا بعدد الوجوه التي نامت دون خوف، وعدد الأطفال الذين ذهبوا إلى مدارسهم دون حرمان، وعدد المرضى الذين حصلوا على علاجهم، وعدد العمال الذين عادوا إلى بيوتهم وهم يشعرون أن تعبهم لم يذهب سدى.
وحين يستطيع الفقير أن يرفع رأسه ويقول: أنا متعب، نعم... لكنني لست مكسورًا، وأعمل، وأعيش بكرامة، وأبنائي لهم مستقبل، عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نقترب من المعنى الحقيقي للعدالة.
أما أن يظل الفقير جالسًا على الرصيف، يشاهد الدنيا تمر من أمامه، فهذا ليس قدرًا مكتوبًا على جبينه.
إنه جرح في جسد المجتمع كله.
وجرح لا يلتئم بالمسكنات، ولا بالشعارات، ولا بكلمات الشفقة.
يحتاج إلى عدالة، وعمل، وتعليم، وعلاج، وحماية، وفرص حقيقية، وقبل كل ذلك يحتاج إلى أن نتذكر أن الإنسان الفقير ليس أقل قيمة من الإنسان الغني، وأن كرامته لا تُقاس بما في جيبه، وإنما بما له من حق أصيل في الحياة.
وحينها فقط يمكن أن يغادر الفقراء الرصيف، ويدخلوا أخيرًا إلى خطوط الدنيا العريضة، لا كمتفرجين عليها، وإنما كصانعين حقيقيين لمستقبل هذا الوطن.

حسين السمنودى الفقراء قاعدين على الرصيف برّه خطوط الدنيا العريض الجارديان المصريه