الأحد 16 أغسطس 2026 06:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب من باريس : بالعقل أقول …( إتفاق مكة … لمن و على من؟ )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

في مكة المكرمة ، حيث يفترض أن تتقدم لغة التهدئة و التقارب على لغة الصراع ، وُلد في السابع من أغسطس 2026 إتفاق جديد بين المملكة العربية السعودية و تركيا و باكستان ، حمل إسم «إتفاق مكة للدفاع المشترك»..

قد يبدو الإتفاق ، في ظاهره ، مجرد تفاهم دفاعي بين ثلاث دول تربطها علاقات تاريخية و مصالح إستراتيجية متنامية .. لكن قراءة المشهد الإقليمي المحيط به تكشف أن ما جرى في مكة يتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي ، و يفتح الباب أمام أسئلة أكبر بكثير :

إتفاق مكة … لمن؟ و على من؟..

السؤال هنا ليس إتهامًا للدول الثلاث ، و لا إفتراضًا بأن الاتفاق يستهدف طرفًا بعينه ؛ فالنصوص و التصريحات الرسمية تؤكد أن الإتفاق دفاعي ، و أنه لا يستهدف دولة محددة .. لكن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال ما تقوله البيانات الرسمية ، و إنما أيضًا من خلال توقيت الاتفاق ، و الأطراف الموقعة عليه ، و الظروف التي أحاطت به ، و ما يمكن أن ينتج عنه مستقبلًا .. ⁠

ثلاث قوى … و ثلاث أوراق مختلفة ..

ما يجمع السعودية و تركيا و باكستان ليس مجرد الإنتماء إلى العالم الإسلامي ، و إنما إمتلاك كل دولة منها ورقة إستراتيجية يصعب تجاهلها ..

السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي و السياسي و الديني ، إضافة إلى موقعها الجغرافي في قلب الخليج و البحر الأحمر ..

تركيا تمتلك جيشًا كبيرًا و خبرة عسكرية و صناعات دفاعية متقدمة ، فضلًا عن عضويتها في حلف شمال الأطلسي «الناتو»..

أما باكستان ، فتملك جيشًا كبيرًا و خبرة عسكرية واسعة ، و هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا ..

و بالتالي فإن جمع هذه القدرات في إطار دفاعي واحد يمنح الاتفاق وزنًا أكبر من مجرد اتفاق تعاون عسكري ثنائي أو ثلاثي ..

لماذا الآن؟..

هنا تكمن أهمية التوقيت ..

فالمنطقة تعيش مرحلة شديدة الإضطراب ، مع تصاعد التوترات العسكرية ، و الهجمات الصاروخية و الطائرات المسيّرة ، و التهديدات التي طالت دول الخليج و ممرات الطاقة و التجارة ، إضافة إلى الصراع المتصاعد مع إيران وحلفائها في المنطقة ..

و في ظل هذه البيئة الأمنية ، يبدو أن الرياض لا تريد أن تبقى معتمدة على مظلة أمنية خارجية واحدة ..

و هذا لا يعني بالضرورة أن السعودية قررت الإبتعاد عن الولايات المتحدة ، و لا أن تركيا أو باكستان بصدد قطع علاقاتهما مع واشنطن .. لكنه يعني أن دول المنطقة بدأت تفكر بصورة أكثر وضوحًا في بناء قدرات ردع إقليمية يمكنها أن تتحرك عندما تتعرض مصالحها أو أمنها للخطر ..

و هنا يصبح إتفاق مكة جزءًا من تحول أوسع : من الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية إلى محاولة بناء شبكة أمن إقليمية متعددة الأطراف ..

هل هو «ناتو إسلامي»؟..

ربما يكون هذا الوصف جذابًا إعلاميًا ، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الحذر ..

صحيح أن الإتفاق يتضمن مبدأ بالغ الأهمية ، و هو إعتبار الإعتداء المسلح على دولة من الدول الثلاث إعتداءً عليها جميعًا .. و هذا يذكّر بمبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة من حلف الناتو ..

لكن التشابه لا يعني التطابق ..

فالتفاصيل العسكرية الخاصة بكيفية تنفيذ الالتزام الدفاعي لم تُحسم بصورة مماثلة للآليات الموجودة داخل الناتو ، كما أن الإتفاق لا يلغي التحالفات والإتفاقيات التي ترتبط بها الدول الثلاث مع أطراف أخرى ..

لذلك ، فإن وصفه منذ اللحظة الأولى بأنه «ناتو إسلامي» قد يكون سابقًا لأوانه ..

الأدق أنه بداية لبناء منظومة ردع و تنسيق أمني إقليمي جديدة ..

إيران … هل هي المقصودة؟..

هنا السؤال الأكثر حساسية ...

إيران لم تُذكر باعتبارها الدولة المستهدفة ، و المسؤولون في الدول الثلاث أكدوا أن الاتفاق دفاعي و ليس موجهًا ضد دولة بعينها ..

لكن السياسة الدولية لا تعتمد على التصريحات وحدها ..

فإذا كانت إيران و حلفاؤها جزءًا أساسيًا من المشهد الأمني الذي دفع دول الخليج إلى البحث عن ترتيبات دفاعية جديدة ، فمن الطبيعي أن تنظر طهران إلى الإتفاق بإعتباره تطورًا استراتيجيًا يجب مراقبته عن كثب ..

و هذا لا يعني أن المواجهة أصبحت حتمية ..

بل ربما يكون العكس تمامًا ..

فأحد أهداف التحالفات الدفاعية هو منع الحرب من خلال رفع تكلفة البدء بها ..

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول سياسة الردع إلى سباق تسلح ، أو عندما تفسر كل دولة تحركات الطرف الآخر بإعتبارها إستعدادًا للهجوم ..

وهنا تكمن أخطر نقطة في إتفاق مكة ..

و ماذا عن إسرائيل؟..

لا يمكن قراءة أي تحول أمني في الشرق الأوسط بمعزل عن إسرائيل ..

فالاتفاق يأتي في لحظة تعيد فيها المنطقة ترتيب حساباتها الأمنية ، و في ظل صراع إقليمي واسع و توترات مرتبطة بإيران ، إلى جانب ملفات فلسطين و القدس و غزة و لبنان ..

و الدول الثلاث ليست متطابقة في رؤيتها لإسرائيل أو في طبيعة علاقاتها معها ، لكن إنشاء إطار دفاعي يجمع السعودية و تركيا و باكستان يحمل ، في حد ذاته ، رسالة بأن القوى الإقليمية الإسلامية تريد إمتلاك قدرة أكبر على التأثير في مستقبل المنطقة بدل الإكتفاء بدور المتلقي للأحداث ..

و هذه الرسالة قد تكون سياسية بقدر ما هي عسكرية ..

باكستان … المستفيد الأكبر؟..

من الصعب تجاهل أن إسلام آباد تحصل على مكاسب إستراتيجية مهمة من الاتفاق ..

فباكستان تدخل في شراكة دفاعية مع السعودية ، صاحبة الثقل المالي و السياسي في العالم العربي ، و مع تركيا ، التي تمتلك قاعدة صناعية عسكرية متطورة ..

و في المقابل ، تقدم باكستان خبرتها العسكرية و موقعها الإستراتيجي و قدراتها الدفاعية ..

لكن الرياض أيضًا تحصل على شيء بالغ الأهمية : تنويع مصادر القوة و الردع ..

أما تركيا ، فتجد في الإتفاق فرصة لتوسيع نفوذها الإستراتيجي و الإقتصادي و العسكري في منطقة الخليج و العالم الإسلامي ..

و هكذا لا يبدو الإتفاق صفقة رابحة لطرف واحد ..

إنه أقرب إلى تبادل للأوراق الاستراتيجية ..

و السؤال الأصعب : أين مصر؟ ..

هذا السؤال يستحق التوقف ..

فمصر كانت جزءًا من مسار التشاور الإقليمي الذي جمع وزراء خارجية مصر و السعودية و تركيا و باكستان في القاهرة في يونيو 2026، حيث اتفقت الدول الأربع على مواصلة التشاور و التنسيق من أجل دعم السلام و الأمن و الإستقرار في المنطقة .. ⁠

لذلك فإن غياب مصر عن الإتفاق الدفاعي الثلاثي لا يعني بالضرورة إبتعادها عن المشهد ..

بل ربما تكون القاهرة أمام معادلة أكثر تعقيدًا : كيف تحافظ على دورها المركزي في الأمن العربي ، دون أن تدخل في ترتيبات عسكرية قد تفرض عليها إلتزامات لا تتناسب مع حساباتها الوطنية و الإقليمية؟..

و اللافت أن تركيا نفسها أشارت إلى إمكانية توسيع الإطار مستقبلًا ، و ذُكرت مصر بإعتبارها من الدول التي يمكن أن تكون محل إهتمام ..

و هنا قد يكون المستقبل أهم من لحظة التوقيع نفسها ..

لمن إتفاق مكة؟..

إذا أردنا الإجابة بإختصار ، فهو أولًا للدول الثلاث الموقعة عليه ؛ لأنه يمنحها مساحة أكبر للمناورة و الردع و التنسيق ..

و هو ، ثانيًا ، للمنطقة إذا نجح في منع الاعتداءات و فتح بابًا لتعاون أمني إقليمي حقيقي ..

و هو ، ثالثًا ، رسالة إلى القوى الدولية بأن دول المنطقة لم تعد تريد أن يكون أمنها بالكامل رهينة لقرار قوة خارجية ..

لكن الإتفاق قد يتحول إلى شيء مختلف تمامًا إذا دخل في منطق المحاور ..

و على من؟..

حتى الآن ، لا يمكن القول إن الإتفاق «على» دولة بعينها ..

هذا ليس مجرد موقف دبلوماسي ، بل هو أيضًا مصلحة للدول الثلاث ؛ لأن الإعلان عن تحالف يستهدف طرفًا محددًا سيجعل الإتفاق أكثر إستفزازًا و أقل قابلية للتوسع ..

لكن يمكن القول إن الإتفاق على فكرة قديمة أكثر مما هو على دولة :

فكرة أن أمن الشرق الأوسط يمكن أن يستمر إلى الأبد إعتمادًا على ترتيبات تأتي من خارج المنطقة ..

و هنا ربما تكون الرسالة الأهم ..

مكة … بداية و ليست نهاية ..

أهمية اتفاق مكة لن تتحدد بالصور التي ألتُقطت يوم التوقيع ، و لا بالبيانات السياسية التي صدرت بعده ..

ستتحدد عندما يقع أول إختبار حقيقي ..

إذا تعرضت إحدى الدول الثلاث لهجوم ، فهل تتحول عبارة «الهجوم على أحدنا هجوم علينا جميعًا» إلى قرار سياسي و عسكري فعلي؟..

و إذا لم يحدث إختبار عسكري ، فهل يتحول الاتفاق إلى منظومة دائمة للتعاون في الاستخبارات و الدفاع الجوي و الصناعات العسكرية و التدريبات المشتركة؟..

تركيا تحدثت بالفعل عن آليات سياسية و عسكرية رفيعة المستوى ، و تدريبات مشتركة تشمل البر و البحر و الجو و المجال السيبراني ، إضافة إلى التعاون في الصناعات الدفاعية و نقل التكنولوجيا .. 

و هنا فقط سيظهر الفرق بين إتفاق سياسي كبير و تحالف قادر على تغيير قواعد اللعبة ..

في النهاية ، قد لا يكون السؤال الحقيقي :

«إتفاق مكة لمن و على من؟»..

بل ربما يكون :

«هل تستطيع دول المنطقة أن تصنع أمنها بنفسها ، أم أن الشرق الأوسط سيظل ينتظر دائمًا من الخارج من يحميه و من يحدد له قواعد اللعبة؟»..

ذلك هو الإختبار الحقيقي لإتفاق مكة ..

و الأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كان ما جرى في مكة مجرد إتفاق دفاعي جديد … أم بداية ولادة توازن إقليمي جديد .

خالد درة بالعقل أقول ( إتفاق مكة … لمن و على من؟ ) الجارديان المصريه