الأربعاء 19 أغسطس 2026 01:33 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب: «حين تعود إلى نفسك... يبدأ السلام»

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

هناك لحظة في حياة الإنسان يصل فيها إلى حقيقة شديدة البساطة، شديدة العمق، كأنها كانت تسكن قلبه منذ البداية، ثم احتاج عمرًا كاملًا حتى يسمع صوتها: أن يكون الإنسان في سلام مع نفسه، تلك هي أعظم صورة من صور الغنى. سلامك مع نفسك هو البيت الذي تحمل مفاتيحه في داخلك، والنافذة التي تطل منها على الحياة بعين أكثر صفاءً، والسكينة التي تجعل القلب قادرًا على استقبال أيامه كما تأتي، بما فيها من اتساع وضيق، ومن أفراح مؤجلة، ومن أبواب تُفتح في اللحظة التي يختارها الله.
في الحياة، تتعدد الأصوات من حولنا؛ صوت من يحب، وصوت من يختلف، وصوت من يراقب، وصوت من يقارن، وصوت من ينتظر منك صورة معينة، وصوت آخر يريد أن يرسم لك الطريق الذي ينبغي أن تسير فيه. ومع كثرة هذه الأصوات، يحتاج الإنسان إلى صوت واحد يظل قريبًا منه، واضحًا في أعماقه، ذلك هو صوته الداخلي.
حين يصادق الإنسان نفسه، يصبح أكثر قدرة على فهم الحياة.
يعرف قدره من غير غرور، ويعرف مواضع ضعفه من غير قسوة على ذاته، ويرى أخطاءه باعتبارها دروسًا مرت في طريق طويل، ويرى نجاحاته باعتبارها ثمارًا تستحق الحمد. يصبح أكثر هدوءًا أمام اختلاف الناس، وأكثر اتزانًا أمام أحكامهم، وأكثر قدرة على اختيار ما يشبه روحه. والإنسان الذي عرف نفسه، عرف قيمة السلام.
السلام الداخلي لا يأتي من اكتمال الظروف؛ يأتي من اكتمال الرؤية. أن ترى ما في يدك من نعم، وأن تمنحها حقها من الشكر، وأن تنظر إلى الطريق أمامك بعين راضية، وأن تعرف أن لكل مرحلة معناها، ولكل تأخير حكمة، ولكل تجربة أثرًا يصنع فيك شيئًا جديدًا.
كم من إنسان يملك أشياء كثيرة، ثم يعيش فقير الروح!
وكم من إنسان يجلس في بيت بسيط، حوله من يحب، وفي قلبه يقين هادئ، فيشعر أنه يمتلك الدنيا كلها! إن قيمة الحياة تُقاس أحيانًا بالطريقة التي نشعر بها تجاه ما نملكه، أكثر مما تُقاس بحجم ما نملك.
وقد عبّر نجيب محفوظ عن معنى قريب من ذلك في عبارته الشهيرة: «السعيد من راض نفسه على الواقع والتمس أسباب الرضا والقناعة حيثما كان.»
إنها فكرة تستحق أن يتوقف عندها الإنسان طويلًا.
«راض نفسه»؛ أي درّبها، وهذّبها، وعلّمها كيف تنظر إلى الحياة بعين أكثر نضجًا. فالرضا في جوهره تربية للنفس، والقناعة وعي بقيمة الموجود، والسلام ثمرة رحلة طويلة بين الإنسان وذاته.
ولعل أجمل ما يستطيع الإنسان أن يفعله لنفسه أن يتوقف قليلًا عن مراقبة الآخرين.
اترك لكل إنسان طريقه.
هناك من وصل قبلك إلى مكان، وهناك من بدأ بعدك، وهناك من اختار طريقًا مختلفًا، وهناك من تبدو حياته من الخارج أكثر اتساعًا، بينما يعيش في داخله أسئلة كثيرة. لكل إنسان توقيته، وكل روح لها رحلتها، وكل حياة تحمل تفاصيلها الخاصة.
مقارنتك بحياة الآخرين تسرق منك متعة النظر إلى حياتك.
انظر إلى قصتك أنت.
انظر إلى السنوات التي عبرتها، إلى المواقف التي صقلت شخصيتك، إلى الأبواب التي فتحت لك، إلى الأشخاص الذين تركوا أثرًا جميلًا في قلبك، إلى الخبرات التي جعلتك أكثر حكمة، إلى الأيام التي ظننت أن نهايتها مستحيلة ثم أصبحت ذكرى.
تأمل نفسك الآن.
كم شيء فيك يستحق الحمد؟
صحتك، بيتك، أبناؤك، أهلك، عملك، علمك، قدرتك على الكلام، قدرتك على الحركة، قدرتك على التعلم، قلبك الذي ما زال يعرف الحب، عقلك الذي ما زال يبحث عن المعنى، وذاك الجزء الجميل فيك الذي ما زال قادرًا على أن يبدأ من جديد.
هذه النعم اليومية التي تمر أمام أعيننا في هدوء، تستحق أن نتوقف أمامها قليلًا.
الحمد لله ليست كلمة تُقال باللسان فحسب؛ إنها طريقة في النظر إلى الحياة. حين تقول: الحمد لله، أنت تعيد ترتيب علاقتك بالأشياء. تقول لقلبك إن الموجود يستحق أن يُرى.
وتقول لروحك إن النعمة تستحق أن تُحفظ بالشكر.
وتقول لأيامك إنك ترى الخير الذي أودعه الله في تفاصيلها.وقد يفتح الله للإنسان بابًا صغيرًا، فيكون منه طريق واسع.
وقد يمنحه لقاءً عابرًا، فيترك ذلك اللقاء أثرًا يمتد سنوات.وقد يمنحه لحظة هدوء في يوم مزدحم، فتكون تلك اللحظة أصدق ما عاشه في ذلك اليوم. الحياة مليئة بالهدايا الهادئة.
تحتاج فقط إلى عين تعرف كيف تراها.إن الإنسان الذي يعيش في سلام مع نفسه يصبح أكثر قدرة على الاستمتاع.
يستمتع بفنجان قهوة في صباح هادئ، بحديث صادق، بضحكة طفل، بنجاح شخص يحبه، بكتاب جيد، بموسيقى جميلة، بمشهد شجرة تتحرك أغصانها مع الهواء، وبجلسة بسيطة مع من يشعر بينهم بالأمان.
يكتشف أن السعادة ليست دائمًا حدثًا ضخمًا.أحيانًا تكون السعادة في التفاصيل الصغيرة التي لا تجد طريقها إلى الأخبار، لكنها تجد طريقها مباشرة إلى القلب.
والسلام النفسي يجعل الإنسان يرى هذه التفاصيل.
يجعله حاضرًا في اللحظة.حين يأكل، يتذوق، حين يتحدث، يصغي. حين يمشي، يشعر بالطريق.حين يجلس مع من يحب، يمنحه حضوره كاملًا.
وحين يكون وحده، يعرف كيف يصنع من وحدته مساحة للتأمل، والقراءة، والدعاء، وترتيب الأفكار، واستعادة الروح. وهنا تبدأ علاقة الإنسان الحقيقية بنفسه.أن تجلس مع ذاتك دون خوف، وأن تسمع أفكارك، وأن تفهم احتياجاتك، وأن تمنح قلبك بعض الرحمة، وأن تقول لنفسك: لقد قطعت طريقًا طويلًا، وما زال أمامي طريق أجمل.
أنت تستحق أن تكون صديقًا لنفسك.تستحق أن تتحدث إليها بلغة كريمة.تستحق أن تمنحها فرصة للراحة.تستحق أن تفرح بما حققته.
تستحق أن تتذكر أنك إنسان، وأن الإنسان يتعلم، وينضج، ويتغير، ويعيد اكتشاف نفسه مرات كثيرة.
إن أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه أن يحول حياته إلى محكمة دائمة.
كل يوم جلسة محاكمة ،كل موقف دليل اتهام، كل خطأ حكم، كل تأخر عقوبة، كل تعثر علامة على الفشل .الحياة أوسع من ذلك بكثير.اجعل نفسك مدرسة، واجعل تجاربك دروسًا، واجعل أخطاءك أبوابًا للفهم، واجعل نجاحاتك أسبابًا للحمد. وحين يأتيك أحدهم بحكم عليك، اسمعه بعقل هادئ، ثم ضع كلامه في مكانه الصحيح.
كلام الناس جزء من العالم، بينما علاقتك بنفسك جزء من كيانك. من يعرف قيمته لا يحتاج إلى تصفيق دائم.

سماح عزام «حين تعود إلى نفسك... يبدأ السلام» الجارديان المصريه