الأربعاء 19 أغسطس 2026 09:53 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد رمضان يكتب: الضغوطات الاجتماعية... ما بين الحلال والحرام

الكاتب محمد رمضان
الكاتب محمد رمضان

يعيش الإنسان داخل شبكة واسعة من العلاقات والتوقعات والأعراف. فهو ابن أسرة، وجار، وزميل، وربما ربّ عمل أو موظف أو طالب أو زوج أو والد. وكلما اتسعت هذه الدوائر، نشأت حوله أصوات كثيرة تخبره بما ينبغي أن يفعله، وما لا يليق به، وما الذي سيجلب له المدح أو يعرّضه للانتقاد. وقد تكون هذه الأصوات ناصحة ومخلصة، وقد تكون متسلطة أو متناقضة أو أسيرة لعادات قديمة، وقد تتحول أحيانًا إلى قوة ضاغطة تدفع الإنسان إلى اختيارات لا يريدها، أو إلى سلوكيات لا يرضاها ضميره، أو إلى أفعال تتعارض مع أحكام الشريعة.

وهنا يبرز سؤال مهم ما هي الضغوطات الاجتماعية؟ الضغط الاجتماعي هو تأثير مباشر أو غير مباشر تمارسه الاسرة أو البيئة أو وسائل الإعلام حتى يشعر بأنه مضطر إلى التصرف بطريقة معينة كي يحافظ على القبول أو يتجنب الرفض والسخرية واللوم. وقد يكون الضغط صريحًا، مثل قول أحد الوالدين: ستفعل هذا وإلا فلست ابنًا بارًّا .

وايضا يميل الإنسان بطبيعته إلى الانتماء، ويحتاج إلى الشعور بأنه مقبول ومحترم داخل محيطه. لذلك قد يخشى فقدان محبة والديه أو أصدقائه، أو يخاف أن يوصف بالعقوق أو الجبن أو الفشل أو التمرد . ويزداد الخضوع حين يكون الفرد قليل الثقة بنفسه .

وتؤدي وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تضخيم المقارنة. فالمستخدم يرى صور السفر والمنازل والملابس والحفلات والإنجازات، ولا يرى غالبًا الديون والقلق والمشكلات التي تقف خلف تلك الصور. وبذلك ينشأ ضغط مستمر لإثبات النجاح أمام جمهور واسع، ولو اقتضى ذلك الاستدانة .

ومن هنا يبرز سؤال مهم هل كل ما هو اجتماعي حلال؟ وللإجابة عن هذا السؤال يجب معرفه أنه لا يصح التعامل مع كل ما هو اجتماعي بوصفه حلالًا لمجرد أن الناس اعتادوه، ولا مع كل ما هو جديد بوصفه حرامًا لمجرد أنه غير مألوف. فالعادة قد تكون معتبرة إذا لم تخالف نصًّا أو أصلًا شرعيًا، وقد تكون مرفوضة إذا اشتملت على ظلم أو إسراف، والأصل أن الإنسان مكلّف ومسؤول عن اختياراته، فلا يجوز أن يجعل عبارة «الجميع يفعلون ذلك» عذرًا لترك واجب أو فعل محرّم.

وتكون الاستجابة للضغط الاجتماعي مشروعة أو محمودة حين يكون المطلوب خيرًا مباحًا، وحين لا يتضمن ظلمًا أو ضررًا، وحين يملك الإنسان القدرة عليه، و يتحول الضغط الاجتماعي إلى محظور حين يدفع إلى معصية أو يفرض ضررًا أو يسلب حقًا ثابتًا. ومن ذلك إجبار شخص على الكذب، أو إخفاء شهادة، أو تزوير مستند .

وأمثله على ذلك، قد يرغب شاب في تخصص مهني أو فني، بينما تصر الأسرة على مسار آخر لأن له مكانة أعلى في نظر الناس. وهناك أيضا عندما يسمع الطفل باستمرار: «لماذا لا تكون مثل أخيك؟» أو «ابن الجيران أفضل منك»، ينشأ وهو يرى نفسه مشروعًا لإرضاء الآخرين.

وفي النهاية الضغوطات الاجتماعية واقع لا يمكن إلغاؤه بالكامل، لأن الإنسان يعيش بين الناس ويتأثر بهم ويؤثر فيهم. لكن يمكن تهذيب هذا التأثير، بحيث يصبح تعاونًا على البر لا تواطؤًا على الخطأ، ونصيحةً لا إكراهًا ، والفاصل بين الحلال والحرام ليس دائمًا في شكل الفعل، بل في مضمونه ووسيلته ونتيجته .

محمد رمضان الجارديان المصريه الضغوطات الاجتماعية... ما بين الحلال والحرام