د. محمد هناء الدين يكتب: رحلتي من مخرج لواحد من ثوار يناير
كنت رجلا عاديا لا يشغلني كثيرا عالم السياسة ولا أبحث عن المعارك السياسية ولا أظن انني كنت املك في ذلك الوقت تصورا واضحا عما كانت تعنيه كلمة ثورة كنت مخرجا تليفزيونيا اعيش يومي بين الاستديوهات والكاميرات ومواعيد العمل وانتهي من شيفتي ثم اذهب الى مقهى النرجيلة القريب من مبنى التليفزيون المصري لألتقط انفاسي كأي رجل انتهى من يوم طويل في العمل
وفي الخامس والعشرين من يناير عام 2011 كان كل شيء يبدو في ظاهره حدثا بعيدا عني مظاهرات في الشوارع وهتافات وصور تتناقلها الشاشات وحديث عن احتجاجات بدأت في القاهرة ومدن اخرى لم اكن طرفا فيها ولم تكن السياسة تعنيني بالقدر الذي يجعلني اترك مقعدي واتجه الى قلب المشهد
لكن الفضول غلبني
انتهى عملي داخل التليفزيون المصري وجلست قليلا في مقهى النرجيلة ثم قلت لنفسي لماذا لا ارى ما يحدث بنفسي
تحركت في اتجاه الاسعاف ومن هناك بدأت الحكاية التي لم اكن اعرف انها ستغير كثيرا من افكاري عن بلدي وعن السياسة وعن المعارضة وعن السلطة وعن الدولة نفسها
ذهبت لأرى مظاهرة وعدت بعد سنوات وكأنني خرجت من حرب طويلة
لم اكن اعرف ان الخطوة التي خطوتها يومها ستضعني في قلب واحدة من اكثر الفترات اضطرابا في التاريخ المصري الحديث وانني سأرى بأم عيني اشياء لم تكن تشبه الصورة التي كانت تصلني من بعيد وانني سأتعرف عن قرب على اشخاص كنت اسمع عنهم من خلال الاعلام ثم اجد نفسي امامهم وجها لوجه وانني سأرى كيف يمكن للفكرة النبيلة ان تختلط بالطمع وكيف يمكن للثورة ان تصبح مطية لأشخاص لا يؤمنون اصلا بما يهتفون به وكيف يمكن للسياسة ان تكشف اسوأ ما في بعض البشر كما تكشف في آخرين افضل ما فيهم
في البداية كنت انظر الى جهاز امن الدولة باعتباره جهازا قمعيا بالمعنى الذي كان شائعا في الخطاب العام وقتها ولم تكن لدي رغبة في الدفاع عنه ولا مصلحة في تبرير اخطائه لكن الايام التي تلت الخامس والعشرين من يناير جعلتني اعيد النظر في الصورة كلها
وهنا يجب ان اقول شيئا ربما لا يعجب كثيرين
انا لا اقول ان كل ما فعله جهاز امن الدولة كان صحيحا ولا ان كل ممارساته كانت مبررة ولا ان الدولة لا تخطئ فالاجهزة الامنية مثلها مثل اي مؤسسة بشرية يمكن ان تخطئ ويمكن ان تتجاوز ويمكن ان تستخدم القوة في غير موضعها
لكنني بعد ان رأيت ما رأيت بدأت افهم معنى مختلفا للدولة
فالدولة ليست ضابطا ولا جهازا ولا وزيرا ولا رئيسا
الدولة هي ذلك الكيان الهائل الذي يمنع المجتمع من التحول الى غابة
وعندما تسقط هيبة الدولة فجأة لا يظهر بالضرورة مجتمع حر وعادل كما نتخيل وانما قد يظهر الفراغ ومن يدخل الفراغ ليس دائما صاحب المبدأ بل كثيرا ما يكون صاحب المصلحة الاكثر قدرة على الحركة
وهذا ما بدأت اراه
رأيت سياسيين كنت اظنهم قامات كبيرة ثم اكتشفت ان الصورة التي صنعتها الكلمات والخطب والشاشات لا تطابق دائما حقيقة البشر خلفها
رأيت من يتحدث عن الحرية وهو يبحث عن نفوذ
ومن يتحدث عن الديمقراطية وهو لا يحتمل اختلافا
ومن يرفع شعار الوطن بينما الوطن عنده مجرد وسيلة للوصول الى شيء آخر
ورأيت ايضا اناسا بسطاء دخلوا المشهد بنية صادقة ثم وجدوا انفسهم وسط صراع اكبر منهم بكثير
وهنا بدأت ادرك ان اخطر ما في الفوضى ليس فقط الرصاص الذي يطلق في الشوارع ولكن اختلاط الحقيقة بالكذب واختلاط الوطني بالانتهازي واختلاط صاحب القضية بمن يستخدم القضية لتحقيق مصالحه
ثم اقتربت اكثر من جماعة الاخوان المسلمين ورأيت بعض قياداتها عن قرب ولم تعد المسألة بالنسبة لي مجرد صورة على شاشة او خطاب اسمعه من بعيد
كانت هناك لحظات شعرت فيها فعلا ان حياتي نفسها اصبحت في خطر
وصل الامر الى ان صفوت حجازي اهدر دمي ووجدت نفسي في مرحلة كنت اتوقع فيها الموت في اي لحظة
وعندما يصبح الموت احتمالا حقيقيا لا يعود الانسان يتعامل مع السياسة باعتبارها مباراة كلامية على فيسبوك ولا باعتبارها مقالا يمكن حذفه او هتافا يمكن التراجع عنه
عندما يصبح جسدك نفسه مهددا تبدأ في رؤية الاشياء بطريقة مختلفة
وتكتشف ان بعض الشعارات التي تبدو جميلة من بعيد قد تكون مخيفة جدا عندما تقترب من اصحابها وتكتشف ان وراء بعض الكلمات مشروعا مختلفا تماما
وفي تلك السنوات لم ار صراعا مصريا داخليا فقط
بدأت ارى صورة اكبر بكثير
رأيت تشابكات اقليمية ودولية ومصالح دول واجهزة مخابرات وصراعات على النفوذ ومحاولات للتأثير في مسار الاحداث المصرية
ولست هنا بصدد ادعاء امتلاك ملف سري يثبت كل ما جرى ولا ادعي ان كل حدث وقع في مصر كان مؤامرة خارجية فهذا تبسيط لا يقل خطرا عن تبسيط الاحداث باعتبارها ثورة شعبية خالصة لا علاقة لها بأي صراع دولي
الحقيقة في رأيي كانت اكثر تعقيدا
كانت هناك مطالب شعبية حقيقية
وكان هناك غضب حقيقي
وكان هناك فساد واخطأ حقيقية
وكان هناك شباب نزلوا الى الشوارع بصدق
لكن في اللحظة التي انفتحت فيها مصر على الفراغ السياسي والامني دخلت قوى كثيرة على الخط وكل قوة حاولت ان تدفع الاحداث في الاتجاه الذي يخدم مصالحها
وهذه سنة التاريخ
الدول لا تعيش وحدها
والدول الكبرى لا تنظر الى الدول الاخرى بعاطفة
هناك مصالح ونفوذ وممرات استراتيجية واقتصاد وطاقة وامن اقليمي ومشروعات سياسية
ومصر لم تكن ولن تكون دولة عادية في حسابات المنطقة
مصر دولة اذا اهتزت اهتز جزء كبير من الشرق الاوسط
ولهذا لم يكن ما جرى مجرد خلاف مصري داخلي كما قد يبدو لمن ينظر الى المشهد من بعيد
كنت ارى بلادي وهي تدخل في عاصفة لا اعرف الى اين ستصل
وفي بعض اللحظات كنت اشعر ان مصر يمكن ان تفقد السيطرة على نفسها
وهنا تغير مفهوم الوطن بالنسبة لي
قبل يناير كنت انظر الى الدولة باعتبارها شيئا موجودا بالفعل ولذلك لا افكر كثيرا في قيمتها
بعد يناير فهمت قيمة الدولة عندما رأيت ماذا يمكن ان يحدث عندما تهتز مؤسساتها وتتصادم القوى داخلها ويصبح الشارع هو الحكم وتتحول السياسة الى صراع وجود
ادركت ان وجود الدولة ليس تفصيلا صغيرا في حياة الشعوب
الدولة هي الارض التي نقف عليها
واذا انهارت الارض فلا يبقى مجال لمناقشة شكل البيت
لهذا تغير موقفي من كثير من الاشياء
لم يعد السؤال بالنسبة لي هل اخطأت الدولة
بالطبع اخطأت
ولا هل يجب اصلاح مؤسسات الدولة
بالطبع يجب اصلاحها
ولا هل يجب احترام حقوق المواطن
بلا شك
لكن السؤال الاكبر اصبح كيف نحافظ على الدولة ونحن نصلحها
كيف ننتقد السلطة دون ان نهدم الوطن
كيف نطالب بالحرية دون ان نفتح الباب للفوضى
كيف نحاسب المسؤول دون ان نحول الحساب الى انتقام
كيف نختلف سياسيا دون ان يتحول الاختلاف الى حرب اهلية
هذه هي الاسئلة التي خرجت بها من تلك السنوات
انا لا اكتب هذه السطور باعتباري رجل سياسة ولا باعتباري منظرا ايديولوجيا
انا اكتبها باعتباري رجلا دخل المشهد بالصدفة تقريبا
دخلته بدافع الفضول وخرجت منه بتجربة جعلتني اعيد ترتيب كثير من افكاري
ذهبت في الخامس والعشرين من يناير لأرى مظاهرة
فوجدت نفسي ارى مصر كلها
رأيت الدولة وهي ترتجف
ورأيت قوى سياسية تصعد
ورأيت جماعات تبحث عن السلطة
ورأيت اناسا شرفاء يدفعون ثمنا اكبر مما يستحقون
ورأيت انتهازيين يغيرون مواقفهم بحسب اتجاه الريح
ورأيت كيف يمكن للانسان ان يتحول عندما يشعر ان الفرصة التاريخية جاءت اخيرا
ورأيت ايضا كيف يمكن للخوف ان يتحول الى قوة وكيف يمكن للقوة ان تتحول الى ظلم وكيف يمكن للفوضى ان تبتلع الجميع بلا تمييز
والاهم انني رأيت مصر نفسها
مصر التي ظن كثيرون انها انتهت
مصر التي توقع البعض سقوطها
مصر التي دخلت في واحدة من اعنف مراحل تاريخها الحديث ثم خرجت واقفة
واليوم عندما انظر الى بلادي بعد كل ما مررت به لا اراها دولة بلا مشكلات ولا اراها دولة كاملة ولا اقول ان كل ما حدث بعدها كان مثاليا
هذا كلام غير واقعي
لكنني ارى مصر دولة ما زالت موجودة
وهذه بالنسبة لي ليست جملة بسيطة
لانني عرفت في لحظة من حياتي كيف يبدو العالم عندما تصبح الدولة نفسها مهددة
واليوم ارى بلادي اكثر امنا واستقرارا مما كنت اتخيل في تلك السنوات رغم استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية والاعلامية ورغم الحملات القاسية التي تستهدف صورتها ورغم الصراع الاقليمي والدولي المحيط بها
لكنني ايضا لا اريد ان اقع في الخطأ المعاكس
فحب الدولة لا يعني ان نغلق اعيننا عن اخطائها
والدفاع عن مصر لا يعني الدفاع عن كل مسؤول
والحفاظ على الامن لا يعني الغاء السياسة
والاستقرار الحقيقي ليس مجرد غياب المظاهرات وانما قدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية واقتصاد قادر وعدالة فعالة ومجتمع يستطيع التعبير عن نفسه دون ان يتحول التعبير الى تدمير
لقد تعلمت من يناير ان اسهل شيء هو ان تهدم
اما البناء فهو العمل الاصعب
تعلمت ان الهتاف قد يسقط نظاما لكنه لا يبني دولة
وان اسقاط شخص لا يعني حل المشكلة
وان تغيير السلطة لا يكفي اذا لم توجد مؤسسات قادرة على حماية المجتمع
وتعلمت ان الوطنية ليست ان تقول دائما ان بلدك بخير
الوطنية الحقيقية ان ترى عيوب بلدك بوضوح ثم تبحث عن طريقة لاصلاحها دون ان تسلمها لمن يريد تدميرها
لقد بدأت حكايتي في مقهى نرجيلة بجوار التليفزيون المصري
رجل عادي انهى شيفته ولم يكن يفكر في السياسة
ثم مشيت الى الاسعاف بدافع الفضول
ومن هناك دخلت الرمال المتحركة
كل خطوة بعدها كانت تجعل الخروج اصعب
حتى وجدت نفسي وسط واحدة من اخطر مراحل تاريخ مصر
وخرجت منها بفكرة واحدة ربما هي ابسط ما يمكن ان يقوله رجل عاش تلك السنوات
انا لا اريد وطنا مثاليا
اريد وطنا موجودا
اريد دولة قوية لا تخاف من النقد
ومعارضة وطنية لا تعمل ضد وطنها
واجهازة امنية تحمي المواطن والدولة ولا تتجاوز القانون
وسياسة تسمح بالاختلاف دون ان تحول الخلاف الى معركة لتكسير البلد
اريد مصر التي يمكن ان نختلف عليها ونحن آمنون انها ستبقى لنا جميعا
لانني تعلمت بالطريقة الصعبة ان الوطن عندما ينهار لا يسأل احدا عن موقفه السياسي قبل ان يسقط فوق الجميع
وفي النهاية لا ادعي انني امتلك الحقيقة الكاملة عن يناير ولا عن كل ما جرى بعدها
لكنني امتلك شيئا واحدا لا يستطيع احد ان ينتزعه مني
ذاكرتي
ما رأيته
ما عشته
والخوف الذي شعرت به عندما ادركت ان الموت قد يصبح حقيقة في لحظة
ولهذا عندما اتحدث اليوم عن مصر لا اتحدث عن نظرية سياسية
انا اتحدث عن بلد رأيته يقترب من الحافة
ثم رأيته يعود
وهذا وحده كاف بالنسبة لي لكي افهم قيمة ان تبقى مصر واقفة
وان يكون الاختلاف داخلها مهما كان قاسيا ارحم كثيرا من ان يتحول الاختلاف الى طريق لهدمها
لقد ذهبت يوم 25 يناير لأرى ماذا يحدث
لكنني في الحقيقة لم ار مظاهرة فقط
لقد رأيت مصر وهي تختبر قدرتها على البقاء
ومنذ ذلك اليوم لم تعد مصر بالنسبة لي مجرد مكان اعيش فيه
اصبحت شيئا اعرف قيمة وجوده
لانني رأيت بعيني ماذا يحدث عندما يصبح الوطن نفسه على حافة السقوط












الإعدام لـ3 متهمين لقتل شخص عمدًا في شبين القناطر
القبض على صانعة محتوى بتهمة نشر فيديوهات خادشة بالدقهلية
ضبط بائع أحذية ينتحل صفة صحفي لابتزاز المواطنين..
مرتضى منصور يتظلم على قرار حفظ بلاغه ضد الإعلان المسيء لجماهير نادي...
سعر الذهب اليوم الأربعاء 19 أغسطس 2026 في محلات الصاغة
أسعار الذهب اليوم الإثنين 17 - 8 - 2026
سعر الدولار اليوم السبت 15 أغسطس 2026 في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم السبت 15 أغسطس 2026.. عيار 21 يسجل 6265 جنيهًا