الخميس 20 أغسطس 2026 10:19 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

( قل والمصحف يا عدرا ).... قصة كتبها : فرحات جنيدي

الكاتب الكبير والأديب فرحات جنيدي
الكاتب الكبير والأديب فرحات جنيدي

بعد أربعين عامًا، عدتُ إلى الجبل لأبحث عن صبيٍّ تركته هناك... فوجدته ينتظرني.
لم أكن أعرف أن الجبل يحتفظ بوجوه الذين صعدوه.
كنت أظن أن الصخور تحفظ آثار الأقدام فقط، وأن الإنسان إذا غادر المكان أخذ معه كل شيء: ضحكته، أصدقاءه، خوفه، وأسراره الصغيرة التي كان يخجل من أن يحكيها لأحد.
لكنني كنت مخطئًا.
هناك أشياء لا يغادرها أصحابها.
تظل معلقة في الهواء.
تنام بين شقوق الجبل.
وتنتظر أربعين سنة كاملة حتى يعود صاحبها.
وقفت أمام جبل درنكة، ورفعت رأسي.
كان أغسطس قد ألقى حرارته على أسيوط، لكن الجبل بدا باردًا، صامتًا، عتيقًا، كأنه يعرفني.
قلت:
السلام لكِ يا مريم...
خرج صوتي أعلى مما أردت.
ضحكت في سري.
قلت لنفسي:
حتى الآن لم أتخلص من عادة السؤال بصوت عالٍ.
ثم بدأت أصعد.
كانت الخطوات ثقيلة.
لم تكن كذلك منذ أربعين عامًا.
يومها كنت أصعد الجبل كأنني أطارد شيئًا.
أما اليوم فكنت أصعد وأنا أجر وراء ظهري أربعين عامًا كاملة.
أنا من قرية الغنايم.
هناك بدأت الحكاية.
وهناك كانت قهوة ثابت.
وقبل القهوة كانت عَشّة ثابت.
لم تكن عَشّة عظيمة، ولا قهوة تستحق أن تكتب عنها الصحف، لكنها بالنسبة لنا كانت مركز الكون.
تقع بجوار الكنيسة، وعلى بعد خطوات من بوابة النصارى.
هكذا كنا نسميها.
لم نكن نحتاج إلى عنوان.
إذا قال أحدنا:
نتقابل عند بوابة النصارى.
فقد انتهى الأمر.
نعرف الطريق.
ونعرف القهوة.
ونعرف أن أديب سيكون هناك.
وفوليب سيصل بعده.
وهاني سيضحك قبل أن يعرف سبب الضحك.
أما لوبس وقرنه فكانا يظهران من حيث لا ندري، كأنهما يخرجان من الأرض.
كانت القهوة خليطًا من الناس.
نصفها مسلمون.
ونصفها مسيحيون.
والفاصل بين النصفين لم يكن جدارًا ولا كرسيًا.
كان مجرد طاولة خشبية قديمة.
نجلس حولها جميعًا.
نطلب الشاي.
ونختلف على الكرة.
ونضحك.
ثم يأتي أحدهم فيقول:
هنروح مولد العذرا؟
فأقول:
نروح.
وكانوا يأتون معي أيضًا.
إلى مولد الشيخ خضر، القريب من بيتنا في الغنايم.
وإلى مولد الشيخ وافي في المشايعة، في ليلة النصف.
لم تكن هناك محاضرة عن التسامح.
ولا أحد كان يقف ليشرح لنا معنى الوحدة الوطنية.
كنا أطفالًا.
وكنا نعرف شيئًا واحدًا:
المولد مولد.
في ذلك الزمن كان الصعود إلى درنكة مغامرة.
نخرج من الغنايم جماعة.
أنا وأديب وفوليب وهاني ولوبس وقرنة وغيرهم.
وكان الطريق نفسه جزءًا من المتعة.
نضحك.
نتشاجر.
نتحدى بعضنا.
ثم ننسى سبب الخناقة قبل أن تنتهي.
وكان أكثر ما يثيرني في الرحلة هو المكان.
الكنيسة.
الجبل.
المغارة.
الصور.
الشموع.
الناس.
كنت أريد أن أفهم كل شيء.
وكلما رأيت شيئًا لا أفهمه ارتفع صوتي:
قل والمصحف!
فيضحكون.
فإذا جاءت الإجابة ولم تعجبني قلت:
يا عم صلِّ على النبي!
ثم أنفجر في الضحك.
كانت هذه عبارتي.
لم أكن أقولها لأشكك في أحد.
كنت أريد الحقيقة.
لكنني كنت أريدها بطريقة صبي في الرابعة عشرة.
كان دير درنكة بالنسبة لنا شيئًا أكبر من مجرد دير.
الجبل الغربي لأسيوط يحتضن المكان، والمغارة تقع في قلب هذا التكوين الصخري.
وتشير الروايات والمصادر إلى أن المغارة ذات تاريخ قديم جدًا، وأنها ارتبطت لاحقًا بالتقليد المسيحي الخاص برحلة العائلة المقدسة إلى مصر، حيث تُروى إقامة السيدة مريم والطفل يسوع ويوسف النجار في هذا الموضع.
كنت أسمع هذه الحكايات وأنا صغير.
لكنني لم أكن أتعامل معها كدرس في التاريخ.
كنت أتعامل معها كطفل يقف أمام مغارة ويسأل:
أين نام الطفل؟
أين جلست أمه؟
هل كانت هنا فعلًا؟
كيف كان الجبل وقتها؟
هل كانت هناك أشجار؟
هل كان الليل مظلمًا إلى هذه الدرجة؟
ثم يأتي صوت من خلفي:
يا فرحات، بطل أسئلة!
فأقول:
قل والمصحف!
فيضحكون.
كان أغسطس في ذاكرتنا شهرًا له رائحة مختلفة.
صيام العذراء.
الزحام.
الشموع.
البخور.
الأيقونات.
الأصوات التي ترتفع فوق بعضها.
والناس الذين يصعدون إلى الجبل بحثًا عن شيء لا نراه نحن الأطفال.
وكانت "الدورة" من المشاهد التي تستوقفني؛ الأيقونة ترتفع فوق الرؤوس، والناس يتحركون حولها، والبخور يصعد في الهواء، والجموع تتبع المشهد في خشوع.
كنت أراقب كل شيء بعينين مفتوحتين.
ثم أسأل.
دائمًا أسأل.
حتى إن أصدقائي كانوا أحيانًا يسبقون السؤال:
فرحات، بالله عليك ما تسألش!
فأقول:
أنا لسه ما سألتش!
ثم أرى شيئًا جديدًا.
وأصرخ:
قل والمصحف!
لم تكن الموالد بالنسبة لنا مختلفة كما تبدو الآن في كلام الكبار.
في مولد الشيخ خضر كانت هناك الوجوه نفسها.
الأطفال أنفسهم.
الباعة أنفسهم.
الزحام نفسه.
الحلوى نفسها.
الفرحة نفسها.
وفي مولد العذراء كنا نرى شيئًا قريبًا من ذلك كله.
الأغاني تختلف.
الصلوات تختلف.
الأسماء تختلف.
لكن الطفل الذي يريد أن يركب لعبة، هو الطفل نفسه.
والأم التي تبحث عن ولدها في الزحام هي الأم نفسها.
والأب الذي يمسك يد ابنه حتى لا يضيع هو الأب نفسه.
والبائع الذي يصرخ في الناس حتى يشتري أحد منه هو البائع نفسه.
ربما لهذا لم نرَ نحن الأطفال فرقًا كبيرًا.
كنا نرى المولد.
فقط.
ثم كبرنا.
وانتهت المدرسة.
وانتهت الرحلات.
واختفت الوجوه واحدًا بعد الآخر.
أديب.
وفوليب.
وهاني.
ولوبس.
وقرنة.
بعضهم سافر.
بعضهم تزوج.
بعضهم غاب.
وبعضهم ظل موجودًا، لكنك حين تراه تشعر أنك تبحث في وجهه عن الصبي الذي كانه، فلا تجده.
أما أنا...
فمرت الأيام فوق ظهري.
حرفيًا.
انحنى ظهري.
وشاب رأسي.
وصار الصعود إلى الجبل يحتاج إلى حساب.
هذه المرة لم أصعد مع أديب.
ولا فوليب.
ولا هاني.
ولا لوبس.
ولا قرنة.
صعدت وحدي.
وكان ذلك أكثر ما أخافني.
لأن الإنسان حين يعود وحده إلى مكان طفولته يكتشف أن المكان لم يتغير بقدر ما تغير هو.
كنت أبحث بعيني عن قهوة ثابت.
عن الكنيسة.
عن بوابة النصارى.
عن الشارع.
عن شيء يقول لي:
أنت لم تذهب بعيدًا.
لكنني كنت قد ذهبت بعيدًا جدًا.
وبينما أنا في الزحام، حدث ما لم أتوقعه.
سمعت صوتًا:
فرحات؟
توقفت.
التفت.
كانت امرأة تقف بين الناس.
تحدق في وجهي.
ثم وضعت يدها على فمها.
ابتسمت.
قالت:
أنت فرحات؟
عرفتها بعد لحظات.
الأبلة روزا.
المعلمة التي درستني في المدرسة.
لم تكن قد رأتني منذ سنوات طويلة.
وقعت عيناها عليّ، وتغير وجهها في لحظة.
كان واضحًا أنها سعيدة.
سعادة من عثر فجأة على قطعة من زمن قديم.
قالت:
كبرت يا فرحات.
ضحكت.
قلت:
حضرتك اللي كبرتي!
ضربتني بنظرة المعلمة القديمة.
فقلت:
بهزر يا أبلة.
ضحكت.
وكانت ضحكتها أجمل ما سمعته في ذلك اليوم.
قالت:
أنا كنت عارفة إنك هتفضل زي ما أنت.
نظرت إلى ظهري.
ثم إلى شعري.
وقلت:
أهو زي ما أنا فعلًا!
فضحكت.
لكنني لم أضحك.
لأنني فجأة تذكرت الفصل.
المقعد.
السبورة.
صوتها.
ووجوه الأطفال.
كل ذلك عاد في لحظة واحدة.
كأن أربعين عامًا لم تكن موجودة.
تركتها وصعدت.
كان الجبل يزدحم أكثر.
دخلت ناحية المغارة.
وضعت يدي على الحجر.
كان باردًا.
أغمضت عيني.
وفجأة عاد صوت قديم.
صوت أديب:
يا فرحات!
ثم صوت فوليب:
استنى!
ثم هاني يضحك.
ثم لوبس.
ثم قرنة.
ثم صوتي أنا:
قل والمصحف!
ضحكت.
فتحت عيني.
لم يكن أحد هناك.
دخلت المغارة.
توقفت.
لم أعرف لماذا شعرت بالخوف.
ربما لأن المكان صغير.
وربما لأن الذاكرة كانت أكبر من المكان.
تخيلت العائلة المقدسة وهي تمر من هنا، كما تحفظ الرواية الكنسية للمكان.
تخيلت امرأة تحمل طفلًا.
ورجلًا يمشي إلى جوارها.
جبل.
ليل.
خوف.
طريق طويل.
ثم ملجأ.
وضعت يدي على الجدار.
وفكرت:
كم إنسانًا دخل هذه المغارة وهو خائف؟
وكم واحدًا خرج منها وهو مطمئن؟
لم أعرف الإجابة.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا:
أنا لم آتِ إلى هنا لأبحث عن العذراء.
أنا جئت أبحث عن فرحات.
خرجت.
كانت الشمس قد بدأت تميل.
والزحام يتحرك تحت الجبل مثل نهر بشري.
وفجأة رأيت صبيًا.
كان يجري.
قميصه قصير.
شعره أسود.
وجسده خفيف.
مر أمامي.
توقفت.
نظرت إليه.
كان يشبهني.
لم أتحرك.
التفت الصبي.
نظر إليَّ.
ابتسم.
وقال:
اتأخرت ليه؟
شعرت بقلبي يهتز.
قلت:
أنت مين؟
ضحك.
وقال:
إنت اللي نسيت.
ثم ركض.
ركضت خلفه.
لم أشعر بظهري.
لم أشعر بقدمي.
ركضت كما لم أركض منذ أربعين عامًا.
مر بين الناس.
دخل ناحية الطريق.
ثم اختفى.
وقفت ألهث.
نظرت حولي.
لا أحد.
فقط الجبل.
والدير.
والناس.
والشموع.
في طريق العودة، مررت بيدي على شعري الأبيض.
قلت:
يا نهار أبيض!
ثم ضحكت.
قلت:
كل ده حصل؟
كان الصبي قد اختفى.
لكنني كنت أعرف أنه لم يذهب.
ربما ظل هناك.
في قهوة ثابت.
بجوار الكنيسة.
على بعد خطوات من بوابة النصارى.
مع أديب وفوليب وهاني ولوبس وقرنة.
ينتظرون الرحلة القادمة.
إلى مولد العذراء.
أو إلى مولد الشيخ خضر.
أو إلى مولد الشيخ وافي في ليلة النصف.
لا فرق.
فقد كنا وقتها نعرف الطريق.
وكان الطريق يعرفنا.
قبل أن أغادر، التفت إلى الجبل مرة أخيرة.
قلت:
السلام لكِ يا مريم.
ثم سكت.
ابتسمت.
وقلت بصوتي القديم:
قل والمصحف... لسه فاكراني؟
هبّت ريح خفيفة من ناحية المغارة.
ولم يجب أحد.
لكنني سمعت ضحكة بعيدة.
ضحكة صبي.
ضحكتي أنا.
وعرفت عندها أنني لم أعد من مولد العذراء وحدي.
لقد عاد معي...
الولد الذي كنتُه.
#فرحات_جنيدي

فرحات جنيدى قصة ( قل والمصحف يا عدرا ) الجارديان المصريه