السبت 22 أغسطس 2026 10:39 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومى يكتب: دحر خرافة التنوير.. متى نتوب عن ردتنا الفكرية؟!

الكاتب الكبير عصام بيومى
الكاتب الكبير عصام بيومى

الآن وبعد أنهينا تفصيل فكرة وجوب القطيعة الكاملة مع ما يسمى الفكر الغربي برمته، وهي مرحلة النقد والتفنيد (الهدم)، ننتقل إلى مرحلة البناء والتأسيس (التعمير). أو ماذا علينا أن نفعل.

بعد أن أوضحت أن الحداثة وما بعدها ليستا مجرد أخطاء عابرة، بل منهجان تشويهيان أديا إلى الانفلات الفكري والأخلاقي، ومن ثم إلى التفسخ الاجتماعي والتدهور على مستويات عدة، فإن الخطوة التالية لا يمكن أن تكون مجرد البقاء في دائرة "الرد"، لأن الردود وحدها تبقينا في تبعية فكرية للآخر. أو على الأقل تبقيه في مجال الندية. لذلك أحسب أن الخطوة المنطقية التالية تتلخص في محورين رئيسيين:

تحرير العقل من سجن الردّة الفكرية التي أصابتنا باتباعنا للغرب منذ ما لا يقل عن قرنين، والانعتاق من عبودية الافتتان بالفكر الغربي، والتوقف عن جعله إلها نهواه ونتبعه. بعد ذلك نقوم بإعادة بناء حضارتنا على أساس الفطرة، التي هي الإسلام في أبسط تعريفاته، بعيدا عن كل شعارات الحداثة الزائفة المضللة.

هنا يمكن تقسيم الفكرة إلى برنامج عمل تستطيع حتى الفئات الشعبية تنفيذه بعيدا عن أي سلطة رافضة للتطور والنماء الحقيقي، وينقسم ذلك إلى أربع مراحل عملية وفكرية:

أولاً: إعلان استقلال المنهج المعرفي (فك الارتباط بالمرجعيات الغربية)
أعمق كارثة أوقعتها هذه الفلسفات في عقولنا هي أنها جعلتنا نقيس إسلامنا بمقاييسهم. الخطوة الأولى هي التحرر من "عقدة المركزية الغربية" في المنهج. وهذا يعني:

· رفض تقسيم المعرفة إلى "ديني" و"دنيوي" (وهو تقسيم حداثي دخيل). رسخته ثنائيات العلوم السياسية المقيتة.
تأسيس نظرية معرفية إسلامية أصيلة، يكون الوحي فيها هو المصدر الأول للحقيقة المطلقة، والعقل أداة فهمها وتطبيقها في الواقع، وليس حاكماً عليها. أي الدمج بين النقل والعقل بعدما فرقهما أعوان الشياطين، -بعدما نجحوا في إشاعة مبدأ فصل الدين عن الدولة- مع إطلاق المجال للعقل للانطلاق في فضاءات ومسارات العلم بكل أنواعه.

ثانياً: العمل على "أسلمة المعرفة" وتجديد الخطاب (التأسيس الإيجابي)
فبعد أن فضحنا السطحية الغربية، لا بد من تقديم البديل الجاد، والعملي القابل لإصلاح ما فسد. وذلك بإعادة طرح المفاهيم والقيم الإسلامية البناءة الراسخة.

هذا يستلزم إعادة قراءة التراث الإسلامي (الفقه، الأصول، الفلسفة الإسلامية) بطريقة تواكب تعقيدات العصر، ولكن دون التفريط في الثوابت. وهنا ليس المقصود تجديد الدين، بل تجديد فهمنا للدين، في ضوء رؤى فقهية مرنة تأخذ في اعتبارها مستجدات العصر.
وسيحتاج ذلك بالقطع إنتاج خطاب علمي وأكاديمي رصين يُفنّد الشبهات الحديثة، ليس بالاستهجان العاطفي، بل بالبرهان المنطقي والعلمي، مما يُري العالم أن الإسلام يملك إجابات عن أسئلة الوجود التي عجزت عنها فلسفات الغرب المغرضة، التي لم يكن هدفها إلا خدمة الشيطان كما بينت سابقا.

ثالثاً: التركيز على بناء "الإنسان المسلم الفطري" (التربية قبل السياسة).
فالحداثة وما بعدها تصدرتا المشهد لأنهما خاطبتا النخب وطلاب الجامعات والمدارس أولا. لذا، فإن معركتنا الأساسية يجب أن تكون في الميدان التربوي، وهو أمر بديهي لمن يريد البناء الصحيح.

هنا سيتوجب غرس اليقين في قلوب النشء قبل تدريسهم العلوم والنظريات. الفكرة ليست حشو الأذهان بالمعلومات، بل بناء شخصية مؤمنة فكرياً، قادرة على الصمود أمام موجات النسبية والشك والحداثة الشيطانية، لأن إيمانها مبني على الفطرة التي قال عنها النبي ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة".
تعليم الجيل الجديد كيف يفكر (تفكير نقدي أصيل)، وليس ماذا يفكر، بحيث يصبح الجيل قادراً على تفكيك أي خطاب حداثي أو ما بعد حداثي قبل أن يتشربه.

رابعاً: الانتقال من "الدفاع" إلى "البناء الحضاري" (السيادة على الواقع)
أخطر ما في الحداثة وملحقاتها، أنها لم تكن مجرد نظريات، بل مشروع سياسي واقتصادي. لذا، ردّنا العملي يجب أن يكون ببناء نموذج تطبيقي معاصر للحكم والإدارة والاقتصاد الإسلامي:

تطوير نظم اقتصادية بديلة عن الربا والاستهلاك المفرط (وهي بعض ثمار الفكر الحداثي السام).
تطوير نموذج للأسرة والمجتمع يقوم على التكافل والتماسك، بديلاً عن الفردية المتفلتة التي نتجت عن ما بعد الحداثة والانهيار الأسري.
الاهتمام بالعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، ولكن تسخيرها في خدمة الإنسان والأخلاق، وليس في إفساده واستعباده، كما تفعل الرأسمالية الحداثية اليوم، عن عمد!

هنا لا يكون العلاج أن ننعزل في كهف الدفاع عن الماضي، ولا أن نستورد حلولهم المسمومة. العلاج الناجع والحاسم هو أن ننتقل من أمة "مقروءة" (تُقرأ من قبل الآخرين) إلى أمة "قارئة" و"صانعة" للتاريخ، ومصدرة للمعرفة كما كنا من قبل.

نحن لا نحتاج إلى "ما بعد حداثة إسلامية"، بل نحتاج إلى "إسلام واقعي معاصر"، يبني حضارة من الصخر، تُثبت عمليا أن التمسك بالوحي ليس تخلفاً، وأنه الطريق الوحيد لإنقاذ البشرية من مستنقع العبث والفراغ الذي أوصلتها إليه الحداثة وما بعدها.

ختاما وباختصار، نحن نحتاج إلى التنزيل العملي الكامل والشامل للإسلام النقي في كل شؤون الحياة لأن الإيمان، أو بالأحرى الدين، إذا لم يتحول إلى واقع ملموس، يظل مجرد شعارات تتهاوى أمام أول موجة فكرية عادية، من غريب أو قريب!

essam7@gmail

عصام بيومى مقالات عصام بيومى دحر خرافة التنوير.. متى نتوب عن ردتنا الفكرية؟! الجارديان المصريه