حسين السمنودى يكتب : الصفقات أغلى من الأرواح
هناك مشهد يتكرر أمام أعين العالم حتى أصبح أشبه بكابوس طويل لا يريد أن ينتهي: أطفال يُدفنون، أمهات يبحثن عن أبنائهن تحت الركام، مستشفيات تكافح من أجل البقاء، مدن تُدمَّر، وبيوت تتحول إلى ذكريات، بينما تجلس القوى الكبرى حول الطاولات تتحدث عن المصالح والنفوذ والصفقات وموازين القوى.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، هناك إنسان يموت.
يموت في غزة، ويُهجَّر في الضفة الغربية، ويجوع في السودان، ويدفع ثمن سنوات الحرب والانقسام في اليمن.
والسؤال الأكثر إيلامًا ليس فقط: لماذا تحدث كل هذه الحروب؟
بل: متى أصبحت الصفقة السياسية والاقتصادية والعسكرية أغلى من حياة الإنسان؟
في غزة، لم تعد المأساة مجرد أرقام في نشرات الأخبار. تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في أغسطس 2026 تؤكد استمرار النزوح الواسع والظروف المعيشية القاسية والتعرض للضربات العسكرية، مع استمرار القيود ونقص التمويل الذي يعرقل وصول المساعدات. وفي إحدى المسوح الأخيرة، كان نحو 90% من السكان يواجهون مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي.
أي إنسان يستطيع أن يتخيل ماذا يعني أن يعيش طفل بلا بيت، وبلا ماء آمن، وبلا مدرسة مستقرة، وبلا يقين بأنه سيستيقظ في اليوم التالي؟
غزة أصبحت امتحانًا أخلاقيًا للعالم كله.
فحين يصبح الوصول إلى الماء معركة، والغذاء أمنية، والدواء سلعة نادرة، والخيمة وطنًا مؤقتًا، فإن الحديث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان دون حماية حقيقية للمدنيين يتحول إلى كلمات جميلة لا تستطيع إنقاذ طفل واحد.
والأكثر وجعًا أن المأساة لم تتوقف عند غزة.
في الضفة الغربية، تتدهور الأوضاع بصورة متسارعة. فقد وثقت الأمم المتحدة استمرار عمليات الهدم والعنف المرتبط بالمستوطنين والقيود على الحركة والتوسع الاستيطاني، وهي عوامل تدفع مزيدًا من الفلسطينيين إلى النزوح وتحد من وصولهم إلى الخدمات الأساسية ومصادر الرزق. وفي يوليو 2026، أشارت OCHA إلى أن عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في حوادث مرتبطة بهجمات المستوطنين خلال عام 2026 تجاوز بالفعل العدد المسجل طوال عام 2025.
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن القضية ليست غزة وحدها.
القضية هي الإنسان الفلسطيني الذي يريد أن يعيش في بيته، ويزرع أرضه، ويرسل أبناءه إلى المدرسة، ويعود إلى منزله دون أن يعرف هل سيبقى المنزل قائمًا أم سيصبح ركامًا.
وإذا كان العالم قد اعتاد مشاهد الدمار في غزة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول مأساة الضفة الغربية إلى خبر عابر لا يلتفت إليه أحد.
فالسكوت على الألم لا يصنع السلام، وإنما يؤجل الانفجار.
ثم نذهب إلى السودان، حيث واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في عالم اليوم.
حرب بدأت منذ أبريل 2023، لكنها تحولت إلى مأساة ممتدة يدفع ثمنها المواطن السوداني الذي لم يختر الحرب ولم يحمل السلاح.
تقول الأمم المتحدة إن الحرب السودانية تسببت في نزوح واسع وفقدان المنازل والوظائف والأقارب والأرواح، وإن النظام الصحي تعرض لضغط هائل، بينما تزايد سوء التغذية وتعطلت الزراعة والتعليم والخدمات الأساسية، واستمرت الانتهاكات والعنف الجنسي، في وقت لم تحصل فيه خطة الاستجابة الإنسانية على التمويل المطلوب إلا بصورة محدودة.
السوداني اليوم لا يسأل عن النفوذ الدولي.
لا يريد أن يعرف من انتصر في لعبة السياسة.
لا يريد أن يسمع عن موازين القوى.
إنه يريد شيئًا بسيطًا للغاية: أن يأمن على أطفاله.
أن يجد رغيف خبز.
أن يعود إلى منزله.
أن يذهب إلى المستشفى فيجد طبيبًا ودواءً.
أن يفتح متجره أو مزرعته.
أن يسمع ضحكة أطفاله بدل أصوات الرصاص والطائرات.
لكن يبدو أن هذه المطالب الإنسانية البسيطة أصبحت في زمن الحروب أكبر من قدرة السياسة الدولية على تحقيقها.
أما اليمن، ذلك البلد الذي أنهكته سنوات طويلة من الحرب والفقر والانقسام، فما زال يدفع فاتورة صراع لم يكن المواطن البسيط هو من صنعه.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون شخص في اليمن يُتوقع أن يحتاجوا إلى المساعدة الإنسانية خلال عام 2026، وأن نحو 18.3 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، فيما يعاني نحو 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد.
هذه ليست أرقامًا باردة.
كل رقم منها إنسان.
كل مليون شخص خلفه ملايين القصص.
كل طفل يعاني من سوء التغذية له أم تسهر بجواره وهي عاجزة عن توفير ما يحتاجه.
كل أسرة نازحة لها بيت فقدته.
كل مريض لا يجد العلاج هو ضحية أخرى لحرب طويلة تحولت فيها حياة الناس إلى هامش في دفتر السياسة.
والسؤال هنا يصبح أكثر قسوة:
لماذا يستمر العالم في التعامل مع هذه المآسي بمنطق المصالح قبل منطق الإنسانية؟
لماذا تتحول الحرب إلى سوق للسلاح؟
لماذا تصبح إعادة الإعمار صفقة؟
لماذا يصبح النفوذ أهم من الطفل؟
لماذا تصبح السيطرة على الممرات والموانئ والموارد والمواقع الاستراتيجية أكثر أهمية من حماية المدنيين؟
ولماذا تستطيع الدول الكبرى أن تجتمع خلال ساعات عندما يتعلق الأمر بمصالحها، بينما قد تنتظر المساعدات الإنسانية أيامًا وأسابيع وشهورًا حتى تصل إلى من يحتاجها؟
هذه هي المأساة الحقيقية.
إننا أمام عالم يستطيع أن يحرك مليارات الدولارات عندما يتعلق الأمر بالأسلحة والاستثمارات والطاقة والتحالفات، لكنه يتعثر عندما يتعلق الأمر بإطعام جائع أو إنقاذ طفل أو إعادة تشغيل مستشفى.
والأكثر مرارة أن العاملين في المجال الإنساني أنفسهم أصبحوا يدفعون الثمن.
في إحاطة للأمم المتحدة في 19 أغسطس 2026، ذُكر أن غزة ظلت للعام الثالث على التوالي أخطر سياق للعاملين الإنسانيين، مع مقتل 186 عاملًا إنسانيًا فيها خلال العام السابق، بينما قُتل 71 عاملًا إنسانيًا في السودان.
أي أن من ذهبوا لإنقاذ الآخرين لم يكونوا بمنأى عن الموت.
وهنا تنهار كل الحجج.
فإذا كان العالم لا يستطيع حماية الطبيب الذي يذهب لإنقاذ الجرحى، ولا العامل الإنساني الذي يحمل الغذاء والدواء، فكيف نتحدث عن منظومة دولية قادرة على حماية المدنيين؟
لقد أصبحنا أمام عالم غريب.
الدول تمتلك أساطيل وطائرات وصواريخ وأقمارًا صناعية وتقنيات هائلة، لكنها تقف عاجزة أمام مأساة طفل يبحث عن كوب ماء.
الدول تستطيع عقد مؤتمرات اقتصادية ضخمة، وتوقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات، وإبرام صفقات سلاح وطاقة، لكنها لا تستطيع أن تتفق بالسرعة نفسها على وقف نزيف الدم.
وهنا تأتي العبارة التي تؤلم القلب:
الصفقات أغلى من الأرواح.
ليست المشكلة في الصفقة نفسها.
فالعلاقات الدولية تقوم بطبيعتها على المصالح والاتفاقيات والتجارة والتحالفات.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الصفقة أهم من الإنسان.
عندما يصبح السلاح تجارة مربحة، يصبح استمرار الحرب مفيدًا لبعض الأطراف.
وعندما تصبح إعادة الإعمار سوقًا ضخمة، يصبح الدمار نفسه بابًا للمصالح.
وعندما تتحول الجغرافيا إلى ورقة تفاوض، يصبح الإنسان الذي يعيش فوق تلك الأرض مجرد رقم على الخريطة.
لكن الأرض ليست مجرد خريطة.
غزة ليست مجرد شريط ساحلي.
الضفة ليست مجرد مناطق متنازع عليها.
السودان ليس مجرد موقع جغرافي غني بالموارد.
اليمن ليس مجرد ممر استراتيجي.
وراء كل هذه الجغرافيا شعوب لها تاريخ وذاكرة وأطفال وأحلام وبيوت ومقابر وأمهات.
المأساة أن بعض السياسيين ينظرون إلى المنطقة من فوق، من خلال الخرائط والطائرات والصور الفضائية، بينما يعيش المواطن المأساة من تحت؛ تحت الركام، وتحت الخوف، وتحت الجوع.
هناك فرق هائل بين من يتحدث عن الحرب في غرفة مكيفة، وبين أم تبحث عن طفلها وسط الأنقاض.
هناك فرق بين من يناقش تكلفة العملية العسكرية، وبين أب يحسب عدد أفراد أسرته الذين بقيوا على قيد الحياة.
هناك فرق بين من يرى الحرب باعتبارها ورقة تفاوض، وبين طفل يرى الصاروخ في السماء ولا يعرف لماذا يريد أحد قتله.
ولهذا فإن الإنسانية لا تحتاج إلى مزيد من الخطب.
تحتاج إلى موقف.
تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية.
تحتاج إلى تطبيق القانون الدولي على الجميع دون انتقائية.
تحتاج إلى حماية المدنيين، وفتح ممرات المساعدات، وحماية المستشفيات والمدارس والعاملين في المجال الإنساني، ومحاسبة من يرتكب الانتهاكات، ودعم الحلول السياسية التي تنهي الحروب بدل إدارة الحروب إلى ما لا نهاية.
فالسلام الحقيقي ليس صفقة مؤقتة بين الكبار.
السلام الحقيقي هو أن ينام الطفل دون أن يخاف.
أن تذهب الأم إلى السوق وتعود.
أن يعمل الطبيب في مستشفاه دون أن يخشى القصف.
أن يعود النازح إلى منزله.
أن يزرع الفلاح أرضه.
أن يفتح الطالب كتابه.
أن يصبح المستقبل أهم من الماضي.
وما يحدث في غزة والضفة واليمن والسودان يجب ألا يُنظر إليه باعتباره أربع أزمات منفصلة فقط، بل باعتباره جرس إنذار للعالم كله.
عندما تستمر الحروب طويلًا، فإنها لا تقتل الناس فقط.
إنها تقتل الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والثقة، والروابط الاجتماعية، والأحلام.
وتخلق أجيالًا كاملة نشأت وهي تعرف صوت القصف أكثر مما تعرف صوت المدرسة.
وهذا أخطر من الحرب نفسها.
لأن الحرب قد تتوقف يومًا، لكن آثارها يمكن أن تبقى في نفوس الأطفال لعقود.
وفي النهاية، لا بد أن نسأل المجتمع الدولي سؤالًا لا يستطيع الهروب منه:
كم روحًا يجب أن تُزهق حتى تصبح حياة الإنسان أغلى من الصفقة؟
وكم طفلًا يجب أن يموت حتى تتحول بيانات الإدانة إلى قرارات؟
وكم مدينة يجب أن تُدمَّر حتى يدرك العالم أن الخراب ليس حلًا سياسيًا؟
وكم أمًا يجب أن تبكي حتى يفهم أصحاب القرار أن وراء كل رقم في تقارير الحرب إنسانًا له اسم ووجه وقصة؟
لقد آن الأوان أن يتغير ميزان العالم.
أن يصبح الإنسان هو نقطة البداية والنهاية.
أن تكون المصالح مشروعة ما دامت لا تُبنى على دماء الأبرياء.
أن تكون السياسة وسيلة لإنقاذ الشعوب، لا أداة لإطالة معاناتها.
وأن يتذكر الجميع أن التاريخ لا يرحم.
قد تنتهي الصفقات، وقد تتغير الحكومات، وقد تسقط التحالفات، وقد تتبدل الخرائط، وقد ينسى الناس أسماء كثير من السياسيين، لكن صور الأطفال الذين ماتوا تحت الأنقاض ستبقى شاهدًا على زمن كان يستطيع فيه العالم أن يفعل أكثر، لكنه اختار أن يتأخر.
إن غزة والضفة واليمن والسودان لا تحتاج إلى شفقة العالم بقدر ما تحتاج إلى عدالته.
تحتاج إلى عالم لا يضع سعرًا لحياة الإنسان.
فلا توجد صفقة تساوي دم طفل.
ولا يوجد نفوذ يستحق جوع أم.
ولا يوجد تحالف يبرر موت الأبرياء.
ولا يوجد مشروع سياسي يستحق أن تُدفن تحته شعوب كاملة.
فالصفقات يمكن توقيعها من جديد، والتحالفات يمكن تغييرها، والحدود يمكن التفاوض عليها، والمصالح يمكن تعويضها... أما الروح التي تذهب فلا تعود.
وحين تصبح الأرباح أهم من الأرواح، والسياسة أهم من الإنسان، والسلاح أسرع من السلام، فإن المشكلة لا تكون في الحروب وحدها، وإنما في عالم بدأ يفقد قدرته على الشعور.
وهنا تكمن الكارثة الأكبر:
أن نموت جميعًا يومًا، لكن الأخطر أن يموت ضمير العالم قبل أن يموت الإنسان.












اليوم.. محاكمة 46 متهمًا بخلية عين شمس
اليوم..الحكم على المتهمين بقتل (المسلماني) تاجر الذهب في البحيرة
مصرع شخصين وإصابة 4 آخرين في حادث مروري ببنها في القليوبية
إصابة 12 شخصا في تصادم ميكروباص وتروسيكل بالطريق الصحراوي الغربي
تراجع سعر الذهب خلال تعاملات اليوم السبت
أسعار الذهب اليوم الجمعة 21 - 8 - 2026
سعر الذهب اليوم الخميس 20 أغسطس 2026
سعر الذهب اليوم الأربعاء 19 أغسطس 2026 في محلات الصاغة