الأحد 23 أغسطس 2026 07:45 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب : الشعب كادح وحكومة مغيبة

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

في البلدان التي تحترم شعوبها، لا تُقاس قوة الدولة بما تبنيه من طرق وكباري ومنشآت فحسب، ولا بعدد المشروعات التي تُفتتح أو المؤتمرات التي تُعقد، وإنما بما يشعر به المواطن وهو يغادر بيته صباحًا ويعود إليه مساءً؛ هل يشعر بالأمان؟ هل يكفيه دخله؟ هل يرى ثمرة تعبه؟ وهل يلمس في حياته أن هناك دولة تعرف ما يمر به؟
هذه هي الأسئلة التي تسبق كل الأرقام، وتبقى أهم من كل المؤشرات.
المواطن المصري لا يعيش اليوم داخل نشرات الاقتصاد، ولا يتعامل مع حياته بمنطق نسب النمو والعجز والفائض، وإنما يعيش واقعًا يوميًا شديد القسوة؛ راتب محدود يطارده غلاء متسارع، وأسرة تتسع احتياجاتها بينما تضيق مساحة الدخل، ومواطن يستهلك يومه كله في محاولة مستمرة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
يستيقظ مبكرًا، يذهب إلى عمله، يركض خلف مصدر رزقه، ويعود محملًا بما لا يظهر في وجهه فقط، بل في حساباته أيضًا؛ إيجار، ومدارس، وطعام، ودواء، ومواصلات، وفواتير، واحتياجات جديدة لا تتوقف. وبين كل ذلك، يظل السؤال حاضرًا: كيف نكمل؟
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.
فالمواطن لم يعد يطالب بالرفاهية، ولم يعد ينتظر حياة استثنائية، بل أصبح طموحه أكثر تواضعًا من أي وقت مضى؛ أن يعيش دون أن يشعر بأن نهاية كل شهر معركة، وأن يربي أبناءه دون أن يتحول التعليم إلى عبء ساحق، وأن يمرض دون أن يصبح العلاج تهديدًا لميزانية البيت.
لكن بينما يعيش المواطن هذه التفاصيل لحظة بلحظة، تبدو الحكومة، في أحيان كثيرة، وكأنها تتابع المشهد من مسافة بعيدة.
تتحدث عن أرقام، وخطط، وإصلاحات، ومعدلات نمو، وكل ذلك ضروري، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الاقتصاد ناجحًا في الأوراق، بينما لا يشعر المواطن بنتائجه في جيبه أو على مائدته.
فالاقتصاد الذي لا يصل إلى حياة الناس يظل ناقصًا، مهما كانت أرقامه براقة.
لا أحد ينكر صعوبة التحديات، ولا أحد يطالب الحكومة بالعصا السحرية، كما أن المواطن يدرك أن بناء الدول لا يتم في ليلة واحدة. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين أن تطلب من الناس الصبر وهم يرون طريقًا واضحًا أمامهم، وبين أن يتحول الصبر إلى خطاب دائم، يُعاد تقديمه كلما اشتدت الأزمة.
لقد صبر المواطن كثيرًا، وتحمل أكثر، ووقف إلى جانب الدولة في ظروف شديدة الصعوبة، ليس لأنه لا يتألم، بل لأنه كان يؤمن بأن لتضحياته نهاية، وأن ما يدفعه اليوم سيعود عليه غدًا في صورة حياة أكثر استقرارًا.
لكن الصبر، مهما كان عظيمًا، لا يمكن أن يتحول إلى سياسة اقتصادية.
ولا يجوز أن يصبح المواطن هو الطرف الذي يتحمل دائمًا.
كل أزمة لها فاتورة، وغالبًا ما يجد المواطن نفسه في مقدمة من يدفعها.
ترتفع الأسعار فيعيد ترتيب حياته، وتزداد الرسوم فيخفض احتياجاته، وتأتي إجراءات جديدة فيشد الحزام أكثر، ثم يُطلب منه أن يتحمل من جديد.
والسؤال الذي لا يجب أن تخشاه الحكومة هو: إلى متى؟
إلى متى يظل المواطن مطالبًا بالتنازل؟
وإلى أي حد يمكن أن يستمر في تأجيل احتياجاته؟
وكم مرة يستطيع أن يعيد ترتيب أولويات أسرته قبل أن يجد أنه لم يعد يملك شيئًا يمكن الاستغناء عنه؟
هذه ليست أسئلة سياسية، ولا شعارات للمعارضة، بل أسئلة إنسانية واقتصادية يجب أن تكون حاضرة على طاولة كل مسؤول.
فالحكومة التي تضع سياسات بعيدة عن واقع الناس، حتى لو كانت نواياها صادقة وحساباتها دقيقة، قد تفقد أهم عنصر في نجاح أي سياسة: ثقة المواطن.
والثقة لا تُصنع بالتصريحات، بل بالشعور بأن الدولة تسمع.
أن يجد المواطن مسؤولًا يسأل عن أثر القرار قبل أن يتحدث عن أهميته.
أن تكون الشكوى مادة للفهم، لا مصدرًا للضيق.
أن تُقرأ معاناة الناس باعتبارها رسالة، لا باعتبارها مجرد ضوضاء عابرة.
إن الشارع لا يحتاج إلى تقارير كي يقول الحقيقة.
يكفي أن تمشي في الأسواق لتعرف معنى الغلاء، وأن تستقل وسائل المواصلات لتدرك حجم الإرهاق، وأن تجلس مع أسرة متوسطة لتفهم كيف تحولت الحسابات اليومية إلى معركة إدارة أزمات.
هناك، بعيدًا عن القاعات المغلقة، توجد مصر الحقيقية.
مصر التي لا تظهر كاملة في الجداول.
مصر التي تحسب الجنيه قبل أن تنفقه.
مصر التي تعمل أكثر، وتستهلك أقل، وتحلم أقل مما كانت تحلم.
وهذه هي المسافة التي يجب أن تخاف منها أي حكومة: المسافة بين الدولة والشارع.
فالدولة لا يمكن أن تكون قوية إذا شعر المواطن أنه وحده في مواجهة الحياة.
ولا يمكن لسياسة أن تنجح إذا كان الناس يرونها عبئًا إضافيًا لا طريقًا للخلاص.
ولا يمكن أن يستمر الحديث عن المستقبل بينما يزداد الحاضر قسوة على من يُطلب منه انتظار هذا المستقبل.
نحن لا نحتاج إلى حكومة مثالية، فهذا أمر غير واقعي، لكننا نحتاج إلى حكومة حاضرة.
حاضرة في الأسواق قبل أن تضع سياسات الأسعار.
حاضرة في المستشفيات قبل أن تتحدث عن تطوير الصحة.
حاضرة في المدارس قبل أن تعلن نجاح خطط التعليم.
حاضرة في البيوت التي تعرف جيدًا أن زيادة بسيطة في الأسعار قد تعني وجبة أقل، أو دواءً مؤجلًا، أو حلمًا جديدًا يُرحّل إلى أجل غير معلوم.
الحكومة الناجحة ليست التي تقول إنها تعمل، بل التي يشعر الناس بأثر عملها.
وليست القضية أن يشعر المواطن بالرضا عن كل قرار، فهذا مستحيل، وإنما أن يشعر بالعدالة. أن يدرك أن الأعباء موزعة، وأن التضحية ليست مطلوبة منه وحده، وأن هناك من يراجع السياسات عندما يثبت الواقع أنها أصبحت أثقل من قدرة الناس.
فالمواطن المصري كادح، وهذه ليست صفة عابرة.
إنه يعمل في أكثر من وظيفة، ويبحث عن دخل إضافي، ويؤجل راحته، ويستنزف صحته، ويحرم نفسه أحيانًا من أبسط ما يريد، حتى يحافظ على بيته.
لكنه لا يجب أن يظل كادحًا إلى الأبد من أجل أن يبقى فقط في مكانه.
العمل يجب أن يصنع أملًا، لا أن يستهلك العمر.
والكدح يجب أن يكون طريقًا للصعود، لا حلقة مغلقة من التعب والانتظار.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تعتاد الحكومة على قدرة الناس على التحمل، لأن الشعوب التي تصبر ليست شعوبًا لا تتألم. والصمت الذي يراه البعض رضا، قد يكون في الحقيقة إرهاقًا من كثرة الشكوى دون جدوى.
ومن هنا، فإن إعادة بناء ا

مدحت الشيخ الشعب كادح وحكومة مغيب مقالات مدحت الشيخ الجارديان المصريه