الثلاثاء 25 أغسطس 2026 09:40 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الكبير فرحات جنيدي يكتب: مولانا حضر

الكاتب الكبير فرحات جنيدي
الكاتب الكبير فرحات جنيدي

كان عمري أربعة عشر عامًا، وربما أقل بعام، حين أخذني بعض أقاربي إلى مولد السيدة زينب.
لم أكن أعرف القاهرة.
كنت أعرف المنيرة فقط، أعرف حواريها ودكاكينها ومقاهيها، وأعرف الطريق من البيت إلى السوق، ومن السوق إلى البيت. أما السيدة زينب فكانت بالنسبة لي مكانًا يأتي من الحكايات؛ مكانًا تسكنه امرأة من أهل البيت، ويذهب إليه الناس في مواسم بعينها، ويعودون منه بشيء لا أعرفه.
دخلنا.
وفجأة وجدت نفسي وسط عالم لم أره من قبل.
رايات خضراء ترتفع فوق الرؤوس، ورجال يدورون حولها، ووجوه متعبة جاءت من أماكن بعيدة، وأيدٍ تمتد إلى المقام ثم تعود إلى الوجوه، وشفاه تقبّل الحديد، وعيون مغمضة، وأخرى معلقة في السماء.
وكان هناك صوت يتكرر من ناحية لا أعرفها:
مولانا حضر... مولانا حضر...
ثم تبدأ الأيدي في الحركة.
والناس تتزاحم.
والأجساد تفسح مكانًا لأجساد أخرى.
وكلما ظننت أن الأمر انتهى، انفتح أمامي طبق جديد.
كأس من الطعام.
رغيف.
فول نابت.
أرز.
وقطع من اللحم.
كنت آكل.
ثم أجد الطعام أمامي مرة أخرى.
آكل.
ثم أقول لنفسي: هذه آخر مرة.
ثم تأتي مرة أخرى.
حتى ظننت أنني أكلت عشر مرات.
لم أكن أعرف هل الناس يطعمونني لأنني جائع، أم لأن المولد لا يسمح لأحد أن يظل جائعًا.
وحين امتلأت معدتي حتى كادت تنفجر، بحثت عن أقاربي.
لم أجد أحدًا.
جلست.
ثم نمت.
لا أعرف كم نمت.
لكن حين فتحت عيني كان العالم قد تبدل.
المولد ما زال هناك، لكن الذين جئت معهم لم يكونوا هناك.
بحثت.
سألت.
ناديت.
لا أحد.
وفي النهاية خرجت إلى الشارع وأنا أقول لكل من أقابله:
عايز أروح المنيرة.
كانوا يشيرون إلى طريق.
أمشي.
ثم أسأل.
فيشير آخر إلى طريق آخر.
كنت أبحث عن المنيرة كما يبحث طفل عن وجه أمه في زحام العيد.
كانت القاهرة كلها مضيئة.
القناديل فوق رأسي.
الحلوى على جانبي الطريق.
الأصوات.
الروائح.
الناس.
لكن شيئًا واحدًا لم أجده.
المنيرة التي أعرفها.
سألت رجلًا:
هي دي المنيرة؟
قال:
أيوه.
نظرت حولي.
لأ.
ضحك.
لكني لم أضحك.
قلت له:
المنيرة بتاعتنا مش كده.
ومشيت.
كلما مشيت، كبرت القاهرة.
وصغرت أنا.
حتى تعبت قدماي، وجلست أمام دكان صغير.
كان صاحبه رجلًا عجوزًا.
نظر إلي طويلًا ثم قال:
إنت منين يا ابني؟
قلت:
من المنيرة.
قال:
وإحنا في المنيرة.
قلت:
لا... المنيرة بتاعتنا مش دي .
سكت الرجل.
ثم سألني عن أسماء الشوارع.
قلت له.
سألني عن السوق.
قلت له.
سألني عن الحارة.
قلت له.
وفجأة قال:
آه... فهمتك.
ثم نادى ابنه.
أوصاه أن يأخذني إلى موقف الأتوبيس، وألا يتركني حتى أركب اتوبيس امبابة حيث المنيره التي اعرفها.
صعدت.
جلست بجوار الشباك.
تحرك الأتوبيس.
القاهرة تمر أمامي مثل حلم طويل.
كنت أرى الأنوار وهي تبتعد.
وأرى الناس يصعدون وينزلون.
وكلما تحرك الأتوبيس، شعرت أنني أقترب من البيت.
حتى سمعت السائق ينادي:
آخر الخط!
نزلت.
وقفت.
نظرت.
لم أعرف المكان.
كان آخر الخط.
لكن لم يكن آخر خوفي.
جلست على الرصيف.
وضممت ركبتي إلى صدري.
وفي تلك اللحظة، من بعيد، سمعت صوتًا أعرفه.
لم يكن صوت أتوبيس.
ولا صوت بائع.
ولا صوت رجل ينادي على الحلوى.
كان صوتًا يأتي من المولد.
خفيفًا، بعيدًا، كأنه يعبر القاهرة كلها:
مولانا حضر...
رفعت رأسي.
ولم أعرف هل كنت أسمعه حقًا، أم أن أذني بقيت هناك، عند السيدة زينب.
ثم جاء رجل وسألني:
مالك يا ابني؟
قلت له: عايز المنيرة.
قال:
أنهي منيرة؟
نظرت إليه.
ولأول مرة لم أعرف ماذا أقول.
ظللت ساكتًا.
وكانت القاهرة حولي تضيء.
وفي مكان بعيد، جدًا، كانت راية خضراء تتحرك فوق رؤوس الناس.
ثم سمعت الصوت مرة أخرى:
مولانا حضر...
فابتسمت.
وقلت في سري:
يا مولانا... أنا لسه ما وصلت.


#فرحات جنيدي

فرحات جنيدي مقالات فرحات جنيدي مولانا حضر الجارديان المصريه