السبت 29 أغسطس 2026 08:19 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتورة أمنية محمد موسى تكتب : بين ضجيج الخوف وهدوء اليقين

دكتورة أمنية محمد موسى
دكتورة أمنية محمد موسى

في لحظات اتخاذ القرارات المصيرية كثيرا ما يداهمنا صوت داخلي يحثنا على الاتجاه نحو طريق معين ، أو يحذرنا من الوقوع في فخ ما دون أن نملك دليلا ماديا واحدا يثبت صحة هذا الشعور. نحن نطلق على هذه الظاهرة في حياتنا اليومية (الحدس) ، بينما ينظر إليها التحليل النفسي باعتبارها واحدة من أكثر العمليات الذهنية تعقيدا وعمقا في البنية النفسية للإنسان. فهل الإحساس مجرد خيال عاطفي؟ أم أنه عملية معرفية فائقة الدقة تستحق أن نثق بها ​من الناحية النفسية ، لا ينشأ الحدس من الفراغ ولا يعتبر ظاهرة غيبية معزولة عن العقل. إنه نتاج تشغيل مكثف وسريع جدا لـ العقل الباطن (Unconscious Mind) الذي يعمل كخزان هائل يختزن ملايين التفاصيل ، لغة الجسد ، نبرات الصوت ، وكذا التجارب السابقة التي لم يسجلها التفكير الواعي ، في أجزاء من الثانية يقوم الدماغ بمسح هذه البيانات المعقدة والمقارنة بينها، ليخرج بنتيجة سريعة تترجم في جسد الإنسان على هيئة شعور داخلي. لذلك فإن الحدس في أصله هو خبرة متراكمة صامتة نجح العقل في ترميزها دون الحاجة للمرور ببطء التحليل المنطقي.
​إلا أن الفخ النفسي الأكبر يكمن في الخلط الشديد بين صوت الحدس وصوت الخوف وهنا يأتي دور الوعي والتحليل النفسي للتمييز بينهما. إن الخوف والقلق خاصة الناتج عن صدمات وتجارب سابقة غير معالجة يرتديان في كثير من الأحيان قناع الحدس. الفرق الجوهري بينهما يكمن في النبرة الجسدية والنفسية ،
​صوت الخوف والقلق يتسم بالتسارع ، والضغط العالي والسيناريوهات الكارثية هو صوت يعلو بالضجيج ، ويصحبه توتر في الجسد وضيق في التنفس ، ودافع قهري إما للاندفاع الهستيري أو الهروب وسوء الظن. إنه شعور ينبع من ماضٍ قديم يسقط مخاوفه على الحاضر. إن ​صوت الحدس الصافي يأتي هادئا خاطفا ومستقرا ، لا يصرخ في الذهن ولا يسبب الهلع بل يمنح صاحبه حالة من اليقظة والانتباه الرزين. هو خاطرك الأول الذي يلمس قلبك بعيداً عن التحليلات المفرطة.
​التواصل الصادق مع الذات لا يعني الانصياع لكل فكرة أو شعور يراودنا بل يتطلب اتزانا ونضجا نفسيا للوصول إلى مرحلة الصفاء. كذلك المشاعر ليست دائماً حقائق مجردة لكن الحدس الذي ينبع من أرضية نفسية متزنة ومستقرة نادرا ما يضل طريقه ، عندما يهدأ ضجيج التوقعات والآليات الدفاعية التي يبنيها العقل لحمايتنا نصل إلى الرؤية الداخلية الواضحة. لذا ف​إن التدريب على الإصغاء للحدس هو عملية استعادة للثقة بالنفس وبالجسد كجهاز استقبال محترف.، حين يصل الإنسان إلى هذا المستوى من السلام الداخلي والوعي بالذات تتحول إشاراته الداخلية إلى بوصلة موثوقة تغنيه في كثير من الأوقات عن الانتظار الطويل للأدلة الظاهرة ، وتمنحه الشجاعة ليخطو خطواته بثبات ويقين.

دكتورة أمنية محمد موسى بين ضجيج الخوف وهدوء اليقين الجارديان المصريه