الأحد 6 سبتمبر 2026 09:40 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد الشافعي يكتب: غابات الحجر تلتهم واحات الشجر....أزمة قطع الأشجار المعمرة في مصر

الكاتب والمحلل السياسي الكبير محمد الشافعى
الكاتب والمحلل السياسي الكبير محمد الشافعى

شهد الشارع المصري في الآونة الأخيرة حالة واسعة من الصدمة والاستياء البالغ نتيجة موجة غير مسبوقة من قطع واجتثاث الأشجار العريقة والمعمرة في مختلف المحافظات والشوارع الرئيسية. تتناقض هذه الممارسات بشكل صارخ وفج مع التوجهات الرسمية للدولة والاستراتيجيات الوطنية الكبرى التي أطلقها رئيس الجمهورية للتوسع في المساحات الخضراء، وزيادة نصيب الفرد منها، ومواجهة التغيرات المناخية عبر مبادرات رئاسية مثل "100 مليون شجرة". هذا التناقض الصارخ بين الرؤية العليا للتخضير والتنفيذ الميداني للحكومة يضع الرأي العام أمام ظاهرة محيرة ومؤلمة تستوجب التوقف والمحاسبة.
تناقض صارخ مع خطط التخضير الوطنية تتعارض عمليات الإبادة الجماعية للمساحات الخضراء مع أبسط قواعد التنمية المستدامة والوعي البيئي الحديث. الأشجار القديمة والمعمرة ليست مجرد ديكور بصري أو عشب يتم تهذيبه، بل هي كائنات حية استغرق نموها عشرات وربما مئات السنين لتلعب دور الرئة الطبيعية للمدن، حيث تمتص غازات الدفيئة، وتلطف درجات الحرارة المرتفعة، وتقلل من حدة التلوث السطحي والغبار. عندما تُقدم الجهات التنفيذية والمحليات على إزالة هذه الشواهد البيئية العريقة، فإنها تقوض بجهل أو بتعمد الجهود المضنية التي تبذلها الدولة لخفض الانبعاثات وتحسين جودة الحياة الحضرية، مما يجعل المواطن يتساءل بمرارة عن جدوى زراعة شتلات جديدة بينما تُقطع الأشجار الراسخة ذات الفاعلية القصوى.
غياب الشفافية ومبررات واهية تكمن الأزمة الكبرى في صمت المسؤولين وعدم صدور أي بيان رسمي مقنع يوضح أسباب هذا التعسف البيئي. تدور التبريرات غير الرسمية التي يسوقها البعض حول مشاريع توسعة الطرق، أو تقليم الأشجار بشكل جائر، أو الرغبة في إزالة ما تسمى "العشوائيات النباتية"، وهي أعذار واهية لا ترقى أبداً لمستوى الكارثة البيئية المحدثة. لو كانت هناك حاجة حتمية لقطع شجرة لمشروع قومي خدمي، لكان الأجدر الاعتماد على الحلول الهندسية البديلة التي تحافظ على البيئة، أو تنفيذ عمليات نقل علمية ومدروسة للأشجار بدلاً من اجتثاثها وتركها حطاماً. إن غياب الشفافية والتعالي على الرأي العام يفتح باباً واسعاً للشكوك حول وجود سوء إدارة، أو غياب للتنسيق بين الوزارات المعنية كالبيئة والتنمية المحلية.
الحاجة الملحة للمحاسبة وتصحيح المسار لا يكفي التوقف المؤقت عن قطع الأشجار، بل يجب أن تُفتح تحقيقات جادة وشفافة لتحديد المسؤولين عن هذا العبث البيئي ومحاسبتهم قانونياً وإدارياً. إن حماية البيئة المصرية والتراث الشجري أصبحت قضية أمن قومي بيئي لا تقبل التهاون أو العبث الإداري.

محمد الشافعي مقالات محمد الشافعى غابات الحجر تلتهم واحات الشجر أزمة قطع الأشجار المعمرة في مص الجارديان المصريه ر