الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 11:44 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الباحث احمد سعد يكتب : ”عندما أصبح الهاتف أقرب إلينا من أنفسنا ”

الباحث أحمد سعد
الباحث أحمد سعد

لم يعد الهاتف في حياتنا مجرد جهاز نستخدمه لإجراء المكالمات أو إرسال الرسائل، بل أصبح جزءًا من تفاصيل يومنا، يرافقنا منذ اللحظة التي نستيقظ فيها من النوم وحتى اللحظة التي نغلق فيها أعيننا في نهاية اليوم.

أصبح أول شيء نبحث عنه في الصباح، وآخر شيء نضعه بجوارنا قبل النوم ، وبين هاتين اللحظتين، يظل الهاتف حاضرًا في أوقات العمل والدراسة والراحة والطعام وحتى في لحظات يفترض أن نكون فيها وحدنا مع أنفسنا.


لقد تغيرت علاقتنا بالهاتف بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
في البداية كان الهاتف وسيلة للتواصل، ثم تحول إلى وسيلة للمعرفة والترفيه والعمل والتصوير والتسوق ومتابعة الأخبار، وأصبح يحمل في داخله جزءًا كبيرًا من حياتنا اليومية.

ومع كل هذه الوظائف، بدأ الهاتف يقترب منا شيئًا فشيئًا، حتى أصبح في بعض الأحيان أقرب إلينا من الأشخاص الذين يجلسون بجوارنا، بل وربما أقرب إلينا من أنفسنا.


المشكلة ليست في الهاتف ذاته، فالتكنولوجيا في الأصل جاءت لتساعد الإنسان وتوفر عليه الوقت والجهد، وفتحت أمامه أبوابًا واسعة للمعرفة والتواصل.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، وعندما يصبح الإنسان غير قادر على قضاء لحظاته دون أن يبحث عن شاشة ينظر إليها أو إشعار ينتظره أو رسالة يريد أن يرد عليها.


أصبحنا في كثير من الأحيان نعيش اللحظة من خلال الهاتف بدلًا من أن نعيشها بأنفسنا.
نذهب إلى مكان جميل فنفكر أولًا في تصويره، نجلس مع الأصدقاء فننشغل بتصفح الهاتف، نذهب إلى مناسبة فنبحث عن أفضل صورة لننشرها، وحتى عندما نشعر بالحزن أو الملل، بدلًا من أن نجلس مع مشاعرنا ونحاول فهمها، نفتح الهاتف لنبحث عن شيء يشغلنا عنها.


وهذا يقودنا إلى طرح سوال ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح دائمًا منشغلًا بشيء خارج نفسه؟

الإنسان يحتاج إلى لحظات من الصمت، يحتاج إلى أن يجلس مع نفسه دون مؤثرات كثيرة، أن يفكر في حياته، وأن يسأل نفسه عن الأشياء التي يريدها، وعن القرارات التي اتخذها، وعن الطريق الذي يسير فيه.

لكن الهاتف جعل الصمت أمرًا صعبًا بالنسبة للكثيرين. فبمجرد أن نضع الهاتف جانبًا، نشعر أن هناك شيئًا ناقصًا، فنعود إليه مرة أخرى، وكأننا أصبحنا نخاف من الفراغ أكثر مما نخاف من الضجيج.


وقد يكون الأمر اللافت أن الهاتف لا يأخذ وقتنا فقط، وإنما يأخذ جزءًا من انتباهنا أيضًا ، قد نجلس في مكان هادئ، لكن عقولنا تكون منشغلة بما يحدث على الشاشة وعلي مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد نتحدث مع شخص نحبه، بينما جزء من اهتمامنا يظل معلقًا بإشعار قد يصل في أي لحظة.

وهكذا أصبح وجودنا الجسدي في المكان لا يعني بالضرورة أننا حاضرون فيه بالفعل.


كم مرة جلسنا مع أشخاص نحبهم، لكننا لم نمنحهم انتباهنا الكامل؟ وكم مرة كان شخص يحدثنا ونحن ننظر إلى شاشة الهاتف؟ وكم مرة مر موقف جميل أمامنا دون أن ننتبه إليه لأننا كنا مشغولين بالتقاط صورة له؟ ربما لا نلاحظ هذه التفاصيل في لحظتها، لكنها تكشف شيئًا مهمًا عن علاقتنا الجديدة بالتكنولوجيا.


لقد أصبح الهاتف نافذة نطل منها على العالم، لكنه في الوقت نفسه قد يصبح جدارًا يفصلنا عن العالم القريب منا.

يمكننا من خلاله أن نتحدث مع شخص يعيش في دولة أخرى، بينما نعجز عن الحديث مع الشخص الذي يجلس بجوارنا.

نستطيع أن نعرف ماذا يحدث في أماكن بعيدة، بينما قد لا نعرف ماذا يحدث داخل أنفسنا.

وهنا تأتي المفارقة: كلما أصبح العالم أكثر اتصالًا من الناحية التقنية، قد يشعر الإنسان أحيانًا بأنه أكثر ابتعادًا عن ذاته.


ليس المقصود أن نرفض التكنولوجيا أو أن نعود إلى زمن لا توجد فيه الهواتف الذكية. هذا أمر غير منطقي، لأن التكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة الحديثة، ولها فوائد كبيرة لا يمكن إنكارها.


لكن المطلوب هو أن نعيد التفكير في علاقتنا بها ، فالإنسان هو الذي صنع التكنولوجيا، ولذلك ينبغي ألا يسمح لها بأن تتحول إلى شيء يحدد له كيف يعيش وكيف يفكر وكيف يقضي وقته.


الهاتف أداة، وقيمة الأداة تتحدد بالطريقة التي نستخدمها بها.
يمكن للهاتف أن يكون وسيلة للتعلم، وأن يساعد الطالب في الوصول إلى الكتب والمحاضرات والمصادر العلمية.

ويمكن أن يكون وسيلة للتواصل مع الأهل والأصدقاء، وأن يختصر المسافات، وأن يفتح أبوابًا واسعة للمعرفة.

لكنه يمكن أيضًا أن يتحول إلى وسيلة للهروب المستمر من الواقع ومن الذات.

وربما كانت أخطر لحظات علاقتنا بالهاتف هي تلك التي نستخدمه فيها دون أن نعرف لماذا نستخدمه. نفتح الشاشة بلا هدف، ننتقل من تطبيق إلى آخر، نمرر الأخبار والصور والمقاطع، ثم نغلق الهاتف دون أن نشعر أننا حصلنا على شيء حقيقي.

وبعد دقائق قليلة نعود إليه مرة أخرى. وهكذا تمر الساعات دون أن ننتبه إلى أين ذهبت.

الوقت الذي يضيع أمام الشاشة لا يعود مرة أخرى. وهذه حقيقة بسيطة، لكنها تستحق أن نتوقف أمامها.

فاليوم الذي نعيشه مرة واحدة لن يتكرر، واللحظة التي تمر لن نستطيع استعادتها. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس كم ساعة نستخدم الهاتف، وإنما ماذا نخسر مقابل هذه الساعات؟


قد نخسر جلسة هادئة مع أنفسنا، أو حديثًا صادقًا مع شخص نحبه، أو قراءة كتاب، أو لحظة تأمل، أو فرصة للتفكير في أمر مهم.

وقد لا نشعر بقيمة هذه الأشياء في لحظتها، لكننا ندرك أهميتها عندما نكتشف أن حياتنا أصبحت مليئة بالاتصال، لكنها فقيرة في الحضور الحقيقي.


ومن المؤسف أن بعض الناس أصبحوا يشعرون بالقلق إذا ابتعدوا عن الهاتف لفترة قصيرة، وكأن الهاتف أصبح جزءًا من وجودهم.

ينتظرون الرسائل، يتابعون الإشعارات، يراقبون ما ينشره الآخرون، ويشعرون أنهم إذا ابتعدوا قليلًا فسوف يفوتهم شيء مهم.

لكن الحقيقة أن الحياة نفسها قد تمر أمامنا ونحن منشغلون بالخوف من أن يفوتنا شيء على الشاشة.


ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نضع الهاتف جانبًا ونسأل أنفسنا: ماذا أفعل الآن؟ لماذا أمسك الهاتف؟ هل أحتاج إليه فعلًا، أم أنني أستخدمه فقط لأنني اعتدت على ذلك؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تبدو عادية، لكنها تساعد الإنسان على استعادة شيء مهم جدًا، وهو القدرة على الاختيار.

فالمشكلة ليست أن نستخدم الهاتف، وإنما أن نستخدمه دون وعي، وأن يتحول الاستخدام إلى عادة تلقائية لا نتحكم فيها.


إن علاقتنا بأنفسنا تحتاج إلى وقت أيضًا ، كما نخصص وقتًا للعمل والدراسة والآخرين، نحتاج إلى أن نخصص وقتًا لأنفسنا.

وقت لا توجد فيه شاشة، ولا إشعارات، ولا أخبار متلاحقة ، وقت نستطيع فيه أن نفكر، أو نقرأ، أو نتأمل، أو حتى نجلس في صمت دون أن نشعر أن علينا أن نفعل شيئًا.


فالإنسان لا يعرف نفسه في وسط الضجيج دائمًا، وإنما قد يكتشفها في لحظات الهدوء ، وفي عالم أصبحت فيه الأصوات كثيرة والصور لا تنتهي والمعلومات تتدفق بلا توقف، أصبح الصمت نوعًا من الحاجة، وأصبح الابتعاد قليلًا عن الشاشة فرصة لاستعادة العلاقة مع الذات.


ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله ليس أن نكره الهاتف، وإنما أن نعيده إلى مكانه الطبيعي في حياتنا..... لا نجعله أول شيء نراه عندما نستيقظ، ولا آخر شيء نراه قبل النوم.


لا نسمح له بأن يسرق كل لحظة فراغ، ولا أن يحول كل لقاء إنساني إلى مناسبة للتصفح والتصوير.

نستخدمه عندما نحتاج إليه، ونضعه جانبًا عندما تحتاج الحياة إلى حضورنا الحقيقي.

نحن لا نحتاج إلى أن نبتعد عن العالم الرقمي بالكامل، وإنما نحتاج إلى ألا نضيع أنفسنا داخله.

نحتاج إلى أن نتذكر أن خلف الشاشة حياة حقيقية، وأن خلف الصور أشخاصًا، وأن خلف الإشعارات وقتًا من أعمارنا يمضي ولا يعود.


ربما لا تكون المشكلة في أن الهاتف أصبح قريبًا منا، وإنما في أنه أصبح أحيانًا أقرب إلينا من أنفسنا.

أصبح يعرف ماذا نحب، وماذا نشاهد، وماذا نبحث عنه، والأماكن التي نزورها، والأشخاص الذين نتحدث معهم، بينما قد نقضي أيامًا طويلة دون أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا: ماذا أريد أنا فعلًا؟


لذلك، ربما نحتاج من وقت لآخر إلى أن نغلق الهاتف، لا لنبتعد عن العالم، بل لنعود إلى أنفسنا.

أن نترك الشاشة جانبًا، وننظر حولنا، ونستمع إلى من يجلس بجوارنا، ونمنح اللحظة التي نعيشها حقها الكامل.

فالحياة ليست ما يظهر على الشاشة فقط، وإنما هي تلك التفاصيل الصغيرة التي تحدث بعيدًا عنها.


وفي عالم أصبح فيه الهاتف قريبًا من كل شيء، تظل هناك علاقة واحدة تحتاج منا إلى عناية خاصة: علاقتنا بأنفسنا. لأن الإنسان إذا امتلك أحدث هاتف، وأكثر التطبيقات، وأسرع اتصال بالعالم، لكنه فقد قدرته على الجلوس مع نفسه وفهمها، فقد امتلك الكثير من الأشياء، لكنه ربما ابتعد عن أهم شيء: ذاته.

احمد سعد مقالات احمد سعد ”عندما أصبح الهاتف أقرب إلينا من أنفسنا ” الجارديان المصريه