الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 06:25 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الكبير عبدالسلام بدر يكتب: ” حابي ” والفلاح المصري

الكاتب الكبير عبدالسلام بدر
الكاتب الكبير عبدالسلام بدر

مع نهر النيل والفلاح المصري قصة طويلة بدأت منذ اكثر من عشرة آلاف عام ... تُجَسّدُ رحلةَ حياةٍ تربط الواقع بالخيال ، يفوح منها عَبَق الحضارة والتاريخ لوطنٍ يفخر به كل من ينتسب إليه ، مصريٌ كان أو عابرٌ من شرق العالم أو مِنْ غربه .. فمَن شرِب من ماء نيله ذاب فيه عشقاً .. يقول " هيردوت " : " إن مصر هبة النيل " فهو الذي صنع الحياة ، وبنى الحضارة ، وعرّف المصريين بنفسه يوم فاض ويوم غاض ، فعاشوا على الأمل فيه والخوف منه ، وجعلوا منه إلهاً يعبدونه خوفاً وطمعاً .. ويقدّمون له القرابين ، ويقيمون له الأعياد .. هكذا كان " حابي " منذ سَرَتْ فيه دموع " إيزيس " حُزْناً على أخيها وزوجها " أوزوريس " والتي كانت تسيل بها مياه النهر فتسبب الفيضان فيستقبله أجدادنا بالصلوات والتسبيحات : تباركت يا " حابي " إنك تظهر لتعيش مصر . .. إنك تروي الحقول التي خلقها " رع " وعندما تنزل إلى الأرض تمد الحيوانات بالحياة .. وتمد الأرض بالمياه ... أنت صديق الخُبْز .. أنت سيد السَمَك ... ياخالق الحنطة والشعير ... ياحامي المحتاج والفقير ... إنك إذا غِبْتَ ارتمت الآلهةُ على وجوهها ...وهلكَ الرجال والنساء ...وإذا ظهرتَ على الأرض ترنّمَ بمجدك الهواء ....واصبح جميع الناس سعداء ... لأنك تمدُ الحَبّ بالقوة .. وتجعله ينمو وفيراً ... فتمتلئ البيوت بالطعام ، والمخازن بالغُلال ..وكل مكان بالعمل ... تباركت يا " حابي لك الإكرام ... ذلك ماكان عليه القدماء في الاحتفال بالنهر في فيضانه .. أمّا في عصرنا الحديث فقد نَظَمَ الكثير من الشعراء فيه شعراً ، وفي مقدمتهم أمير القوافي" أحمد شوقي " حيث خاطب النيل بقصيدة رائعة سأقتطع منها بعض الأبيات دوت الترتيب والتي يصف فيها عُرْس الفتاة التي تُزَفُ إلى النيل حتى يفيض بمائه ولا ينقطع . يقول شوقي : في كل عامٍ دُرّةٍ تُلقى بلا ..ثمنٍ إليك وحُرّةُ لا تصدقُ والمجد عند الغانيات رغيبةٌ .. يبغى كما يبغى الجمالُ ويُعشَقُ إن زوّجوكَ بهنّ فهي عقيدةٌ .. ومن العقائد ما يُلبّ ويحمقُ زُفّت إلى ملك الملوك يحثّها .. دين ويدفعها هوىً وتشوّقُ مجلوةً في الفلك يحدو فلْكها .. بالشاطئين مزغردٌ ومصفّقُ في مهرجان هزّت الدنيا به .. أعطافها واختال فيهِ المشرقُ ألقت إليك بنفسها ونفيسها ..وأتتك شيّقةً حواها شيّقُ خلعت عليك حياءها وحياتها .. أأعزّ من هذين شئٌ يُنفَقُ وإذا تناهى الحُب واتفق الفِدى .. فالروح في باب الضحيّةِ ألْيَقُ فقد هبط المصريون الأوائل إلى الوادي حيث إلتقوا لأول مرّة بنهر النيل عندما أقلعت السماء عن المطر ، وأجدبت الصحراء فهجرتها الحياة .. كان ذلك منذ عشرة آلاف عام تقريباً ..ومن هذا العهد البعيد واجهت الانسان المصري المشاكل التي ترتبت على نظام النهر .. حيث اتصل المصري بالطبيعة إتصال من يريد أن يهذّبها ويطوّع قواها لخدمته .. فظهرت أولً محاولاته لضبط مياه النيل بإقامته لخزّان " الفيوم " في عهد " أمنمحعت الثالث " الذي أدرك أن جودة الزراعة تتوقف على الري الجيد . فقام بمشروع عظيم لتخزين مياه الفيضان حتى ينتفع بها في أوقات هبوط النيل وقلّة مياهه التي لا تفي بحاجة الزراعة .. وذلك أنه لمّا رأى انخفاض منطقة " الفيوم عن سطح النهر وأن مياه الفيضان تغمره كل عام فتحيله إلى بحيرة عظيمة أقام حول جزء منه سوراً عظيماً . فصار هذا الجزء بمثابة خزّان كبير ترِدُ إليه المياه وقت ارتفاع النيل بواسطة ترعة وتخرج منه أيام انخفاضه عن طريق ترعة أخرى لتروي أراضي الوجه البحري .. هذا الخزّان هو المعروف حاليّاً ب " بحيرة موريس " والترعة هي المسماة الآن " بحر يوسف " فكان بذلك خزان الفيوم هو اقدم خزان في العالم وهو أول محاولة بشريّة لفكرة السد العالي وهي " التخزين المستمر " .. هذا النهر العظيم الذي يبلغ طوله ٦٥٠٠ كيلو متر وهو ثاني أنهار العالم طولاً ، يمر بست دول أفريقية بداية من منبعه في" أثيوبيا " إلى أن ينهي رحلته ويستقر عند فرعي الدلتا ( رشيد ودمياط ) في مصر ..ويمثّل واديه ٣٪ من سطح جمهورية مصر العربية التي تحتفل في اليوم التاسع من سبتمبر من كل عام بعيد الفلاح المصري .. العيد الذي سنّته له ثورة يوليو ١٩٥٢ بعد أن أعادت إليه عزّته وكرامته ، بامتلاكه خمسة أفدنه كان يزرعها ويرويها بعرقه لينعم بخيراتها سيّده الاقطاعي ( الباشا) المقرّب من الملك وحاشيته .. وكما هو معروف أن قانون تحديد الملكية الزراعية رقم ١٧٨ الصادر في 9 سبتمبر ١٩٥٢ كان من أول خطوات العدالة الاجتماعية .. وترتب عليه حصول الفلاح على ما يوفر له الحياة الكريمة ولأسرته .. ثم توالت مكتسبات الثورة للعمال والفلاحين حتى أصبح منهم من يمثّلهم في البرلمان ويتحدّث بلسانهم معبراً عن مشكلاتهم ومطالبهم .. ونحن إذ نحتفل بكل طوائفنا مع الفلاح بعيده نتمنى لمصر الرخاء والنماء ، والنصر على الأعداء ...وتحيا مصر .

عبدالسلام بدر ” حابي ” والفلاح المصري !! الجارديان المصريه