الأربعاء 9 سبتمبر 2026 08:45 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد عبدالله القاضى يكتب : كسر الخواطر على الشاشات مرفوض لايقبله أحد ... عندما تتحول المسؤولية إلى مقصلة علنية

الكاتب الكبير محمد عبدالله القاضي
الكاتب الكبير محمد عبدالله القاضي

في زمنٍ أضحت فيه الكاميرا حكماً وجلاداً، وباتت فيه اللقطة المصوّرة تُقاس بعدد المشاهدات لا بميزان العدالة والمروءة، نطالع مشهداً يتكرر مراراً في واقعنا والإعلامي والخدمي: مسؤولٌ يرتدي ثوب الحزم، يقف أمام الكاميرات ليوجه سيلًا من التوبيخ والإهانة لمسؤولٍ أدنى أو موظفٍ تقاعس أو قصّر. قد يكون هذا الموظف مهملاً حقاً، وقد يكون مقصراً يستوجب الحساب والجزاء، وقد تكون لديه ظروفٌ قهرية خفيت عن الأعيان ولم تسعفها التبريرات.. قد يكون المسؤول الكبير محقاً في جوهر الموقف، وقد لا يكون.. لكن القسوة الفادحة لا تكمن في أصل الحساب، بل في منصة العرض وفي اختيار "العلانية" ثوباً للتقريع.
​إن المنظور النفسي لهذه المشاهد ينبئ بانهيارٍ عميق في مفهوم التقويم الإنساني. فالإهانة العلنية لا تُصلح خللاً، بل تسحق كرامة النفس وتترك في الوجدان جرحاً غائراً يتجاوز الشخص المُهان ليطال الدائرة المحيطة به بأسرها. أيُّ شجنٍ وتراجيديا أعمق من أن يجلس طفلٌ أمام الشاشة ليرى والده -رمز أمانه وقدوته في الحياة- يُستباح كبرياؤه ويُصعق بتوبيخٍ مهين على ألسنة الملايين؟ أيُّ قهرٍ يُصيب زوجةً ترى شريك عمرها يُجرّد من مهابته، وأي حسرةٍ تلحق بأقارب وجيران وزملاء وهم يرقبون هذا العرض القاسي؟ إننا أمام استباحةٍ ناعمة للذات البشرية، تحول الأخطاء الإدارية التي تعالجها اللوائح والأنظمة إلى مآسٍ إنسانية تشهدها البيوت وتتحطم على أعتابها النفوس.
​ومن الناحية الاجتماعية والتنموية، فإن إدارة مؤسسات الدولة بالترهيب واستعراض القوة أمام عدسات الصحافة لا تبني بيئة عمل منتجة ولا تحقق تطويراً حقيقياً. إن النهوض بالمؤسسات يُبنى على سيادة القانون، وتفعيل أجهزة التفتيش، وتطبيق العقوبات وفق الأطر الرسمية التي تحفظ للمؤسسة هيبتها وللإنسان آدميته. التنمية الحقيقية تعتمد على السلوك التراكمي وجبر الخواطر وحفز الهمم، بينما تكرار مشاهد "الذبح الإعلامي" يزرع الخوف والاتكالية، ويجعل الموظف يبحث عن التخفي أو المداراة بدلاً من الإبداع والإتقان.
​أمّا في الميزان الديني والأخلاقي، فإن الشريعة الغراء والقيم الإنسانية السامية وضعت حداً فاصلاً بين الإصلاح والفضيحة. فالنصيحة في العلن فضيحة، والستر باب من أبواب الرحمة، والعدل لا يتنافى مع المروءة. لقد كان نهج الهدى ونبراس الحكمة قائماً على التقويم دون تجريح، والتقريع الفردي دون التشهير بين الأنام؛ لأن الغاية هي إصلاح الوجدان وتعديل المسار، لا كسره وإبادة كبريائه. فالرحمة هي الجوهر الأصيل لكل سلطة، وأثرها هو المتبقي في ضمير الشعوب؛ فمن لا يَرْحَم لا يُرْحَم.
​إن الفارق بين كسر الخواطر وجبرها هو الفارق بين الهدم والبناء. فالحزم المطلوب في إدارة الشأن العام لا يعني التخلي عن النبل والستر، ومحاسبة المقصرين يجب أن تظل في أطرها القانونية والإدارية بعيداً عن مسارح الاستعراض. ارحموا من في الأرض، وصونوا كرامات الناس كي تستقيم الحياة؛ فالكراسي زائفة، والمناصب زائلة، وما يبقى في سِفر التاريخ إلا الكلمة الطيبة والأثر الإنساني النبيل.

محمد عبدالله القاضى كسر الخواطر على الشاشات مرفوض لايقبله أحد عندما تتحول المسؤولية إلى مقصلة علنية الجارديان المصريه