الأحد 20 سبتمبر 2026 01:24 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب: القروض راحت فين يا حكومة ؟

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

منذ سنوات تمضى مصر فى تنفيذ مشروعات ضخمة تشمل الطرق والكباري والمدن الجديدة الموانىء وغيرها من مشروعات البنية الاساسية بالتزامن مع ارتفاع أعباء الدين الخارجي والاحتياجات المتزايدة من العملة الاجنبية وفى ظل هذه التطورات يطرح المواطن المصري سؤالا مشروعا لا يمكن تجاهله . القروض راحت فين يا حكومة ؟

وفقا للأرقام الواردة والبيانات والتقارير الاقتصادية ارتفع الدين الخارجي لمصر الى نحو 164,8 مليار دولار بنهاية الربع الاول من 2026 مقارنة بنحو 92,6 مليار دولار فى يونيو2018 كما تحملت الدولة اعباء كبيرة لسداد اقساط وفوائد الديون الخارجية خلال النصف الاول من العام المالى 20252026 نحو 16 مليار دولار. نحن لا نعترض على البناء أو التنمية ولا ننكر اهمية الطرق والكباري والموانىء والمدن الجديدة فى دعم التنمية وتحسين البنية الاساسية , لكن القضية الاساسية التى تفرض نفسها هى ما العائد الاقتصادي الذى حققته هذه الاستثمارات؟ هل تحولت القروض الى انتاج وصادرات وفرص عمل وتدفقات مستدامة من العملة الاجنبية ؟

فالقرض ليس انجازا فى حد ذاته وإنما يقاس أثره بقدرته على دعم الاقتصاد وتحقيق عائد يساعد الدولة على سداد التزاماتها والتنمية الحقيقية لا تقتصر على تشييد المبانى والطرق بل تمتد الى إقامة قاعدة انتاجية قادرة على توفير احتياجات المواطنين وزيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الاستيراد والاقتراض .

الأمر لا يتوقف عند الاقتراض فقد لجأت الدولة ايضا الى طرح أو بيع بعض الاصول لتوفير موارد مالية يمكن أن تسهم فى دعم الموازنة وخفض أعباء الديون.

وهنا يزداد السؤال إلحاحا : إذا اقترضنا مليارات الدولارات ثم لجانا الى بيع أصول لتوفير السيولة وسداد الالتزامات فأين ذهبت الأموال التى اقترضناها ؟ وما حجم العائد الذى حققته المشروعات التى وجهت اليها هذه الأموال؟

هذا السؤال لا يمثل اتهاما لأحد ولا يستهدف التقليل من حجم المشروعات المنفذة وإنما يعبر عن حق أصيل للمواطن فى معرفة كيفية إدارة الموارد العامة وأوجه إنفاق القروض والنتائج الاقتصادية المترتبه عليها .

نحن نريد كشف حساب اقتصادي واضح وشفاف يتضمن:

- كم اقترضت الدولة خلال السنوات الماضية ؟

- كم سددت من اصل الدين؟ وكم دفعت فوائد وأعباء مالية؟

- أين وجهت القروض؟ وماالمشروعات التى استفادت منها؟

- ما العائد الاقتصادى والمالى الذى حققته ذلك المشروعات؟

- كم وفرت من فرص العمل؟ وكم أسهمت فى زيادة الصادرات وتوفير العملة الاجنبية ؟

- ماتكلفة المشروعات مقارنة بالعائد المتوقع والمتحقق منها؟

المشكلة ليست فى أن مصر تبنى وإنما فى أن يتحول البناء الى هدف مستقل عن العائد الاقتصادى فالمشروع الذى لا يحقق قيمة مضافة تتناسب مع تكلفته واعبائه التمويلية قد يتحول بمرور الوقت الى عبء على الموازنة العامة والاقتصاد الوطنى

فالطريق الذى يخدم الصناعة ويدعم حركة التجارة يمثل تنمية والمصنع الذى ينتج ويصدر يمثل تنمية والميناء الذى يجذب الاستثمارات ويزيد موارد الدولة من العملة الاجنبية يمثل تنمية حقيقية . أما المشروعات التى لا تحقق العائد المتوقع منها , فيجب ان تخضع للمراجعة والتقييم المستمر بما يضمن توجيه الموارد الى القطاعات الأكثر قدرة على الانتاج والتشغيل وتحقيق الدخل المستدام .

لقد حان الوقت للإنتقال من ثقافة ماذا بنينا ؟ الى ثقافة أكثر ارتباطا بمستقبل الاقتصاد : ماذا أنتجنا؟ وكم صدرنا؟ وكم وفرنا من الدولار ؟ وكم فرصة عمل أوجدنا؟

مصر دولة كبيرة تمتلك موارد بشرية وطبيعية وموقعا جغرافيا متميزا الى جانب امكانات واسعة فى مجالات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية لكن تحويل هذه الامكانات الى قوة اقتصادية يتطلب رؤية متكاملة تضع الانتاج فى مقدمة الاولويات وتربط الإنفاق العام بالعائد وتمنح القطاع الإنتاجي مساحة أكبر للنمو والتوسع .

نحن بحاجة الى ادارة اقتصادية تضع الانتاج قبل المظهر والعائد قبل الاحتفال والمواطن قبل الخرسانة وتضمن أن تكون المشروعات العامة وسيلة لتحسين حياة المصريين لا مجرد أرقام تضاف الى سجل الانجازات .

وفى النهاية يظل السؤال الذى يهم كل مواطن مصري قائما : اقترضنا كل هذه المليارات فأين ذهبت؟

نريد الإجابة بالأرقام والبيانات لا بالشعارات .. نريد معرفة ما أنفقناه وما حققناه وما تبقى علينا من التزامات.

فكشف الحساب لم يعد مطلبا مؤجلا بل أصبح ضرورة اقتصادية واخلاقية حتى لا يدفع ابناؤنا غدا ثمن ديون لم يعرفوا أين ذهبت ولا العائد الذى حققته .

#جمال المتولى جمعة

كاتب وباحث اقتصادى ومحام بالاستئناف العالى ومجلس الدولة

جمال المتولى جمعة مقالات جمال المتولى جمعة القروض راحت فين يا حكومة ؟ الجارديان المصريه