الجمعة 25 سبتمبر 2026 06:22 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب: لا تشرح نفسك لأحد.. فكلٌّ يراك بعين ضميره، والجميع يترجم لغة الهيبة

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

لا تشرح نفسك لأحد، ولا تُرهق قلبك في محاولة إثبات حقيقتك لمن اختار ألا يراك كما أنت. فكل إنسان ينظر إلى الآخرين من نافذة ضميره، ويقيس تصرفاتهم بميزان أخلاقه وتجاربه ونواياه، ولذلك قد يراك شخص بصورة جميلة لأنه يحمل داخله شيئًا من الجمال، وقد يراك آخر بصورة مختلفة لأنه لا يستطيع أن يرى في الآخرين إلا ما اعتاد أن يراه في نفسه.
الحياة علمتنا أن كثرة التبرير لا تصنع الهيبة، وأن الإنسان الذي يعرف قدر نفسه لا يقف طويلًا أمام كل كلمة قيلت عنه، ولا يركض خلف كل شخص ليشرح له لماذا فعل هذا ولماذا لم يفعل ذاك. هناك مواقف يكفي فيها الصمت، لأن الصمت في بعض الأحيان ليس ضعفًا، وإنما هو أبلغ صورة من صور الثقة بالنفس.
ليس مطلوبًا منك أن تشرح نيتك لكل من أساء فهمك، ولا أن تقدم كشف حساب عن كل خطوة تخطوها، ولا أن تبرهن طوال الوقت أنك شخص جيد. فالذين يعرفونك حقًا لن يحتاجوا إلى شرح طويل، والذين قرروا أن يسيئوا فهمك فلن تقنعهم عشرات الكلمات.
والأهم من كل ذلك أن الإنسان لا يكتسب الهيبة بالصوت المرتفع، ولا بكثرة الحديث، ولا بمحاولة فرض نفسه على الآخرين، وإنما يكتسبها من حضوره، وأخلاقه، وثباته، وطريقة تعامله، وقدرته على أن يبقى متزنًا حين تضطرب من حوله الأشياء.
فالهيبة لغة لا تحتاج إلى ترجمة، والحضور الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان.
قد يدخل الإنسان مكانًا فلا يتحدث كثيرًا، ومع ذلك يشعر الجميع بوجوده. وقد يتحدث آخر طوال الوقت عن قوته ومكانته، ثم يغادر المكان دون أن يترك وراءه سوى الضجيج. والفرق بين الاثنين أن الأول صنع احترامه بأفعاله، بينما الثاني حاول أن يصنعه بالكلمات.
لا تجعل حياتك ساحة دائمة للدفاع عن نفسك. فكلما كبرت تجربتك، أدركت أن بعض المعارك لا تستحق أن تخوضها، وأن بعض الأشخاص لا يستحقون منك حتى محاولة الإقناع. هناك أشياء يثبتها الزمن أفضل مما تثبتها الكلمات، وهناك حقائق لا تحتاج إلى محامٍ يدافع عنها.
كن هادئًا، لكن لا تكن ضعيفًا. كن متواضعًا، لكن لا تسمح لأحد أن يقلل من قيمتك. كن طيبًا، لكن لا تجعل طيبتك بابًا مفتوحًا لمن اعتاد استغلالها. سامح إن استطعت، وابتعد حين يصبح القرب مؤذيًا، واحتفظ بكرامتك دون أن تتحول إلى شخص قاسٍ أو متكبر.
فالقوة الحقيقية ليست أن تجعل الآخرين يخافون منك، وإنما أن تجعلهم يعرفون حدود التعامل معك دون أن تضطر إلى تهديد أحد أو رفع صوتك عليه.
وتذكر دائمًا أن الناس لن يروا فيك جميعًا الصورة نفسها، وهذه طبيعة الحياة. هناك من يراك سندًا، وهناك من يراك منافسًا، وهناك من يراك صديقًا، وهناك من يراك خصمًا، وهناك من لا يعرفك أصلًا لكنه يملك رأيًا فيك! ولذلك لا تجعل صورتك في عيون الآخرين هي المقياس الذي تقيس به قيمتك.
أنت تعرف نفسك أكثر من الجميع، والله وحده يعلم خفايا القلوب والنيات.
ومن أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان أن يعيش متصالحًا مع نفسه؛ فلا يبالغ في الدفاع عنها، ولا ينشغل بتجميل صورتها أمام كل شخص، ولا يسمح لكلام الناس أن يهدم داخله ما بناه سنوات طويلة.
دع أفعالك تتحدث عنك.
دع أخلاقك تقدم سيرتك.
دع مواقفك تقول من أنت.
ودع الزمن يتولى مهمة كشف كل شيء.
فقد ينجح البعض في تشويه صورتك لفترة، وقد تنتشر عنك كلمات لم تقلها، أو مواقف لم تفعلها، لكن الحقيقة لها عمر أطول من الشائعات، والإنسان في النهاية يُعرف بما يتركه خلفه من أثر، لا بما قيل عنه في لحظة غضب أو خصومة.
ولهذا لا تشرح نفسك لأحد إلا عندما يكون الشرح واجبًا، ولا تبرر نفسك لمجرد إرضاء فضول الآخرين. ليست كل الأسئلة تستحق إجابة، وليست كل الاتهامات تستحق دفاعًا، وليست كل العلاقات تستحق أن تخسر من أجلها راحة بالك.
احفظ كرامتك، واحفظ قلبك، وامشِ في طريقك بثبات.
فالهيبة ليست أن يهابك الناس، وإنما أن يحترموا حدودك، ويعرفوا قيمتك، ويحسبوا لك حسابًا لأنك صاحب مبدأ لا يتغير مع المصالح، وصاحب كلمة لا تتبدل مع الظروف.
وفي النهاية، تذكر أن كل إنسان يراك بعين ضميره، لكن الجميع يترجمون لغة الهيبة بطريقتهم الخاصة؛ فمنهم من يفهمها احترامًا، ومنهم من يفسرها غرورًا، ومنهم من يراها ثقة، ومنهم من يراها صمتًا، ومنهم من يخاف منها لأنه اعتاد أن يتعامل مع الضعفاء.
فلا تشغل نفسك كثيرًا بكيف يراك الناس.
كن كما ينبغي أن تكون.
واعرف قيمتك دون أن ترفع صوتك بها.
ولا تشرح نفسك إلا لمن يستحق أن يسمعك.
أما الباقون، فاترك لهم مساحة التأويل، وللأيام مهمة إظهار الحقيقة.
فبعض الأشياء كلما شرحتها صغرت، وكلما تركتها للزمن كبرت قيمتها… ومن يعرف قدر نفسه، لا يحتاج في كل يوم إلى أن يثبت للناس أنه يستحق الاحترام.

حسين السمنودى مقالات حسين السمنودى لا تشرح نفسك لأحد.. فكلٌّ يراك بعين ضميره والجميع يترجم لغة الهيبة الحارديان المصريه ⇧