الجمعة 25 سبتمبر 2026 11:26 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الحسين عبدالرازق يكتب: نتنياهو.. بين القاعة والانتخابات

الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق
الكاتب الكبير الحسين عبدالرازق

لم يكن المشهد في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد لحظة احتجاج دبلوماسي عادي على كلمة نتنياهو، وإنما كان مشهدًا سياسيًا وإعلاميًا شديد الدلالة، يصعب تجاهل تداعياته، سواء داخل إسرائيل أو خارجها.
ما حدث بالضبط..
أنه مع بدء رئيس وزراء اسرائيل إلقاء كلمته، غادرت وفود عديدة، في مشهد لافت أمام عدسات وسائل الإعلام العالمية.
واصل نتنياهو خطابه، واصفًا من غادروا بأنهم جبناء أخلاقيًا، ومؤكدًا أن إسرائيل لا تدافع فقط عن نفسها، وإنما عن دول أخرى.
والسؤال الآن، ليس لماذا غادرت هذه الوفود؟
وإنما، ماذا يعني أن يحدث ذلك أمام العالم؟
في الداخل الإسرائيلي، للمشهد حسابات مختلفة.
نتنياهو يخوض الانتخابات المقبلة في 27 أكتوبر، ولذلك لم تكن كلمته موجهة إلى الخارج فقط، بل كان يخاطب الإسرائيليين أيضًا. فقد قدم إسرائيل باعتبارها دولة تخوض حربًا على جبهات متعددة، وربط العمليات العسكرية بأمن الدولة وبفكرة البقاء، وهي الرسالة التي تتصدر خطابه السياسي أمام جمهوره الداخلي.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يرى مؤيدو نتنياهو في مشهد الانسحاب تأكيدًا لروايته عن وجود إسرائيل في مواجهة ضغوط دولية واسعة، وربما يستخدمونه لتأكيد فكرة أن إسرائيل لا تستطيع الاعتماد على القبول الدولي وحده، وأن أمنها يجب أن يبقى في مقدمة حساباتها.
لكن الصورة نفسها قد تُقرأ داخل إسرائيل بطريقة مختلفة.
فمشهد الوفود وهي تغادر، يمنح خصوم الحكومة مادة سياسية للقول إن الخلاف لم يعد محصورًا في انتقادات إعلامية أو مواقف فردية، وإنما أصبح ظاهرًا على أحد أكبر المسارح الدبلوماسية في العالم، وهنا تكمن حساسية المشهد.
وفي الخارج..
كانت إسرائيل حاضرة في الأمم المتحدة للدفاع عن روايتها بشأن حرب غزة، وعن عملياتها ضد إيران، وعن رؤيتها للأمن الإقليمي. لكن الصور التي انتقلت إلى العالم لم تكن صور رئيس حكومة يتحدث فقط، وإنما صور وفود تغادر القاعة في اللحظة التي بدأ فيها حديثه.
في السياسة الدولية، الصورة أحيانًا تصبح جزءًا من الرسالة نفسها.
قد تستطيع إسرائيل تقديم حججها، وقد يرفض آخرون هذه الحجج، وقد يختلف العالم حول تفسير ما يجري في غزة وإيران والمنطقة، لكن مشهد الانسحاب الجماعي سيبقى صورة رمزية مرتبطة بهذه اللحظة.
وهذا يضع إسرائيل أمام تحدٍ يتجاوز المعركة العسكرية، إلى معركة الصورة والشرعية السياسية والدبلوماسية.
فكلما اتسعت الفجوة بين الرواية الإسرائيلية وبين مواقف عدد من الحكومات والمجتمعات، أصبح الدفاع عن صورة إسرائيل في الخارج أكثر صعوبة.
ومن المؤكد أن صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي أصبحت إحدى ساحات الصراع الرئيسية.
والأخطر بالنسبة لتل أبيب، أن تلك الصورة لا تُعرض في الخارج فقط، وإنما تعود إليها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وتصبح جزءًا من النقاش الداخلي.
هنا يصبح السؤال بديهيًا عن مستقبل رئيس الوزراء..
هل يستطيع نتنياهو تحويل الضغط الدولي إلى ورقة قوة داخل إسرائيل، أم يتحول الضغط الدولي نفسه إلى عبء سياسي على حكومته؟
الإجابة ستحددها معركة الانتخابات المقبلة، كما ستتحدد بدرجة كبيرة بما ستفعله إسرائيل على الأرض خلال الأسابيع المقبلة.
مشهد الأمم المتحدة سيبقى واحدًا من أكثر المشاهد اختصارًا لحجم الفجوة التي تواجهها إسرائيل اليوم بين ما تقوله عن نفسها، وما يراه العالم فيها.
وأخيرًا نقول..
في السياسة، قد تكون الكلمة مهمة..
لكن أحيانًا يكون خروج المستمعين أبلغ من ألف كلمة!
حفظ الله مصر.

الحسين عبدالرازق نتنياهو.. بين القاعة والانتخابات الجارديان المصريه ⇧