الإثنين 28 سبتمبر 2026 02:06 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

اسامه محمد يكتب: كيف تصنع الكلمة وعيًا أو تهدمه؟

اسامه محمد
اسامه محمد

نتحدث ونتكلم عن أشياء صغيرة ولكنه له قدره رهيبه علي التغيير اي انسان ولو نظرنا إلى الكلمة نراه انه ليست  أصوات تخرج من الفم ولا حروفًا تكتب على الورق أو تنشر عبر الشاشات بل هي قوة قادرة على التأثير في العقول والقلوب والسلوك.

فقد تغير كلمة واحدة موقفًا أو تمنح إنسانًا أملًا أو تزرع فكرة جديدة كما يمكن أن تثير الكراهية وتنشر الخوف وتضلل الناس ولذلك فإن الكلمة مسؤولية لأنها قد تصنع وعيًا ناضجًا وقد تهدم وعيًا بني عبر سنوات طويلة.

الوعي هو قدرة الإنسان على فهم ذاته ومجتمعه والعالم من حوله والتمييز بين الحقيقة والوهم وبين الصواب والخطأ
وتؤدي الكلمة دورًا أساسيًا في بناء هذا الوعي فالإنسان يتعلم من خلال القراءة والحوار والاستماع ويكون أفكاره ومواقفه اعتمادًا على ما يتلقاه من معلومات وتفسيرات.

عندما تكون الكلمة صادقة وواضحة ومسؤولة فإنها تساعد الإنسان على فهم الواقع فهمًا صحيحًا.
فالمعلم بكلماته يستطيع أن يفتح أمام طلابه أبواب المعرفة والكاتب يستطيع أن يلفت الأنظار إلى قضية مهمة والإعلامي يستطيع أن يشرح الأحداث بطريقة تساعد الجمهور على تكوين رأي متزن.

وقد تبدأ نهضة فكرية كاملة بفكرة يعبر عنها شخص بكلمات بسيطة لكنها عميقة.
فكثير من المشروعات الكبرى والمبادرات الناجحة بدأت بخطاب أو مقال أو نقاش ألهم الناس ودفعهم إلى العمل وهنا تظهر قوة الكلمة في تحويل الأفكار إلى قناعة والقناعة إلى سلوك والسلوك إلى تغيير حقيقي.

وكما تستطيع الكلمة أن تبني فإنها قد تهدم يحدث ذلك عندما تستخدم لنشر الأكاذيب والشائعات أو لتزييف الحقائق فالمعلومة الخاطئة إذا تكررت كثيرًا قد يصدقها الناس حتى لو لم تستند إلى دليل. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الكلمة تنتقل بسرعة كبيرة وقد تصل إلى آلاف الأشخاص قبل أن يتأكد أحد من صحتها.

وتسهم الكلمات المضللة في تكوين وعي زائف لدى أفراد المجتمع إذ تجعلهم يرون الأحداث من زاوية واحدة أو تدفعهم إلى الحكم على الأشخاص  دون معرفة كافية وقد تتسبب الشائعة في تشويه سمعة إنسان أو إثارة الذعر أو إضعاف الثقة بين أفراد المجتمع.

كما تهدم الكلمة الوعي عندما تقوم على التعصب والكراهية والتحريض فبعض الخطابات لا تهدف إلى الحوار أو الإقناع بل إلى التصارع ومع الوقت يفقد المجتمع قدرته على النقاش الهادئ ويصبح الاختلاف سببًا للخصومة بدلًا من أن يكون وسيلة للتفكير والتطور.
وتتحمل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مسؤولية كبيرة في صناعة الوعي .
فالمحتوى الذي تقدمه هذه الوسائل يستطيع أن يرفع مستوى المعرفة لدى الناس كما يستطيع أن يحول النقاش العام إلى صراعات قائمة على الانفعال.
 ومن واجب الإعلام أن يتحرى الدقة وأن يفرق بين الخبر والرأي وأن يعرض القضايا من أكثر من زاوية وألا يعتمد  العناوين المضللة .

وتبدأ صناعة الوعي أيضًا من الأسرة فالكلمات التي يسمعها الطفل في سنواته الأولى تؤثر في ثقته بنفسه ونظرته إلى الحياة.
 فعندما يسمع كلمات الاحترام والتشجيع ينمو وهو يشعر بقيمته وقدرته على التعلم.
 أما الإهانة والسخرية المستمرة فقد تزرع داخله الخوف والضعف وتجعله يصدق أنه غير قادر على النجاح.
كما أن المدرسة لا تقتصر مهمتها على نقل المعلومات بل تسهم في بناء شخصية الطالب من خلال الحوار والنقاش. ويستطيع المعلم أن يصنع وعيًا حقيقيًا عندما يشجع طلابه على طرح الأسئلة ويقبل اختلافهم ويدربهم على التفكير النقدي بدلًا من الحفظ والتلقين.
حتى تكون الكلمة أداة بناء لا بد أن تقوم على الصدق والعدل والاحترام والمسؤولية. 
وقبل أن نتحدث أو نكتب ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل ما سأقوله صحيح؟ وهل هو نافع؟ وهل يمكن أن يسبب ضررًا غير ضروري؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع كثيرًا من الأذى وتحول الكلام إلى وسيلة للإصلاح بدلًا من الهدم.
إن الكلمة قوة لا تقل أثرًا عن أي وسيلة أخرى من وسائل التأثير.
فهي قد تضيء عقلًا وتداوي قلبًا وتوحد مجتمعًا كما قد تزرع الجهل والكراهية والانقسام. 
فإذا أردنا مجتمعًا واعيًا فعلينا أن ننتج كلمات صادقة وعميقة وأن نواجه التضليل بالحجة والكراهية بالاحترام والجهل بالمعرفة. 
وكل فرد منا يملك القدرة على أن يجعل كلمته لبنة في بناء الوعي لا معولًا لهدمه.

اسامه محمد مقالات أسامة محمد الجارديان المصريه كيف تصنع الكلمة وعيًا أو تهدمه؟ ⇧