الإثنين 28 سبتمبر 2026 08:28 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفى هنرى يكتب من فيينا: الحداثة هي المستقبل

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى

في الوقت الذي تخوض فيه مجتمعاتنا المصرية معارك مستمرة لحراسة القوالب التراثية والمظاهر الشكلية داخل أروقة المدارس ، يتحرك العالم المتقدم في اتجاه مغاير تماماً لإعادة صياغة مفهوم التعليم وتأهيل العقول نحو المستقبل ، ويتجلى هذا التباين الحضاري بوضوح عند المقارنة بين منظومة تعليمية تستخدم المدرسة كأداة لضبط الهوية وفرض الامتثال العقائدي واللغوي الشكلي عبر مناهج دينية إلزامية مشروطة بنسب نجاح مرتفعة وحفظ نصوص جافة ، وبين منظومة مدنية حديثة تنظر إلى التعليم باعتباره مختبراً مفتوحاً لتنمية التفكير النقدي والمهارات الرقمية الحرة . 
ولعل النموذج الأبرز لهذه الحداثة التعليمية ما شهدته العاصمة النمساوية ڤيينا مؤخراً ، حيث وزعت مديرية التعليم في عاصمتي العريقة التي جعلت التعليم حق لكل مواطن طبقا للدستور منذ ١٧٥٠ … بالتعاون مع المجلس الاستشاري التربوي للتعليم الرقمي ، صدرت وثيقة رسمية موجهة لكافة المدارس والمعلمين والطلاب في النمسا تحمل عنوان "خمسون أداة موصى بها للذكاء الاصطناعي في التدريس"، وهي دليل عملي شامل يهدف إلى دمج أدوات التكنولوجيا الذكية في صلب العملية التعليمية اليومية بشكل مجاني ومتاح للجميع ، وتتوزع هذه الأدوات الخمسون في الدليل النمساوي لتبدأ من مولدات الصور الإبداعية التي تساعد الطلاب على تصميم وسائط مرئية لمشاريعهم ، وتمر بالمنصات التعليمية المنهجية التي تشرح أسس الذكاء الاصطناعي مثل المنصة الأكاديمية الرقمية ، وتصل إلى المساعدين الرقميين الموجهين لتنظيم الدروس وإعداد العروض التقديمية السريعة ، وصولاً إلى برمجيات معالجة اللغة والترجمة الفورية المتقدمة. 
    إن هذه الخطوة العملية لا تهدف إلى تلقين التكنولوجيا كمعطى جامد، بل تسعى لترسيخ الوعي النقدي بالوسائط لدى الطفل منذ مراحله التأسيسية ليفهم كيفية عمل الآلة ويطوعها لمصلحته دون أن يدعها تفكر بدوره. وعلى النقيض من هذا الانفتاح، فإن الإصرار في مجتمعاتنا على فرض لغة رسمية لا يتحدث بها أحد في الشارع فنحن الشعوب الوحيدة في العالم التي تتعلم لغة لا تتكلمها وتستخدم فقط في الصحف والكتب  ، التركيز على أعباء الحفظ والتلقين والمظاهر المفروضة، يساهم في عزل الطلاب عن متطلبات العصر وسوق العمل الدولي ، ويغرس مبدأ السمع والطاعة بدلاً من الابتكار، مما ينتج أجيالاً تعيش اغتراباً فكرياً ونفسياً تائهاً بين زمنين. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لتبني رؤية إصلاحية حقيقية لا تنادي بإلغاء شامل بل تدعو إلى تحديث جوهري للمناهج الحالية، يتخلى عن الفرز الطائفي وعقدة حراسة الموروث ، ويتجه نحو دمج هذه الأدوات التكنولوجية الحية في صلب التعليم، مع إرساء قيم الأخلاق الإنسانية المشتركة والوعي المدني، ليتحول التعليم من عبء تاريخي يكرس الجمود إلى جسر حقيقي يعبر بالأنفس نحو التنوير والمستقبل .
عندها يبقى إيه اللي فاضل عالجنة 


# وصفي هنري 
ڤيينا          ١٨ توت ٦٢٦٨
الاثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦

وصفى هنرى الحداثة هي المستقبل الجارديان المصرية ⇧