الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 04:45 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تأملات في آية من رسالة الله الخالدة ..(٢١)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

مازال الحديث مستمرا ، عن ذكر بعض الأحاديث النبوية الشريفة ، لرسول الله   ﷺ كي نعرف قدره ، ومكانته الفريدة كأكبر مصلح للعالم بأكمله ، والتي يجهلها كثير من الناس ! 
واستكمالا للمقالة السابقة لحديثه الشريف الذى قال فيه ﷺ "إن قامتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ ، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها" وقد كانت خلاصته .. بأنه قد احتوى على عديد من التخصصات العلمية ، والمجالات  المختلفة ، والتي أعجزت ذووا التخصص الأكاديمي ، وفاقت قدراتهم العلمية وقد تم ذكر ثلاثة منها ، كتلك الحقبة التاريخية التي أعجزت المؤرخين ، حيث أن الحديث لم يتحدث عن عصر حالي ، ولم يتحدث عن عصر قد مضى ، ولملم أيامه ، وسنواته ، كما يلملم الرجل جلبابه ليرحل عن مجلسه ، ولكن الرسولﷺ قد تحدث عن عصر لم يأت بعد ، ولم يولد حتى الآن ، فقد تحدث عن أحداث ستحدث في المستقبل ! وهى أحداث يوم القيامة ، والذى تبدأ بطلوع الشمس من مغربها ، ثم تتوالى الاضطرابات الضخمة للكون بأسره ، إيذانا بانتهاء حقبة تاريخية قد انتهت ، وهى حقبة عمر الدنيا بكل أحداثها ، وتفاصيلها ، أو قل : منذ دبت الروح في أوّل إنسان على الأرض ، وتفتّحت عينيه ، وكمُل عقله ، مستوعبا ما علّمه الله له "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ" فمنذ ذلك اليوم ، وحتى آخر مولود سيولد بين أكنافها ، ثم يبدأ عصر جديد له قوانينه الخاصة به "وسيأتي الحديث عنه لاحقا بإذن الله"
ففي ذلك اليوم سيحدث بلا شك خوف ، ورعب شديدين لكل نفس بشرية ، بل ذعر ليس له مثيل ، كما ذكر من قبل ! وهنا يتجلّى علم آخر ، جاء في طيات حديث الرسول ﷺ وهو علم النفس ، إذ يتحدث ذلك العلم عن الشعور ، والأحاسيس ، والوجدان ، والسلوك ، يقول علماء النفس عن شدة الخوف بأنها استجابة فسيولوجية ، وعاطفية حادة تُحفّزها آليات البقاء في الدماغ لمواجهة الخطر ، أو الهروب" ويقول آخرون بأن "الخوف الشديد الذى يتجاوز الحد الطبيعي ، فإنه يؤدى إلى الشلل الفكري ، أو السلوكي ، وتسارع ضربات القلب ، وزيادة سرعة التنفس" فحينما تحدث تلك الاضطرابات للكون بأسره ، وترجّ الأرض ، رجّة لم يسبق لها مثيل من قبل ، فمن الطبيعي أنه سيحدث للناس ذعر ، وهلع شديدين .. كما أن جميع الأمهات اللائي لهن رضّع ، ولن يقمن برضاعتهم على الإطلاق ، ولن تبالى إحداهن بهم .. أما الحوامل منهن .. ستسقط أجنتهن من شدة الخوف ، والرعب ، وسيكون جميع الناس في حالة ذهول تام مما يحدث من اضطرابات ضخمة لذلك الكون ، ولن يتوقف الأمر عند ذلك ، بل ستجد الناس يترنّحون كما يترنح السكارى الذين ثملوا مسكرا ، وقد ذهبت عقولهم ، وفقدوا السيطرة على أجسادهم ..
لقد صوّر الله ذلك اليوم ، منبّها ، ومحذرا من ترك التحضر ، وتخلّى الناس عن إنسانيتهم ، باللجوء إلى الجهالات ، والتخلف ، والتقاليد العمياء البالية ! فقال "يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سكاري وَمَا هُم بسكاري وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد" وفى موضع آخر يصوّر الله دهشة الناس مما يحدث للكون ، فقال "وَقَالَ ٱلۡإنسٰن مَا لَهَا" ؟ ! وسيعلم كل منهم أنهم سيهلكون لا محالة ، فجميع المؤشرات تدل على ذلك .. وبالرغم من ذلك كله ، ستجد أناس آخرون لن يشعروا بهذا الذعر ، والهلع الشديدين ، ولن يخيفهم تلك المشاهد ! يا ترى : من هم أولئك الناس ؟ ! ومن أين أتوا بتلك الثقة الشديدة ؟ ! وما تلك القلوب التي بين صدورهم ؟ ! وكأن قلوبهم من فولاذ صلب له قيمة لا يقدر بثمن فستجد أن الرسول ﷺ  يفك تلك الألغاز ، حيث روى عن ربه ، وخالقه حين قال  "وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين إذا خافني في الدنيا أمّنته يوم القيامة وإذا أمننى في الدنيا أخفته يوم القيامة" إنها عظمة لا تدانيها عظمة .
بقلم/ زكريا سليمان

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة ..(٢١) الجارديان المصرية ⇧