شحاتة زكريا يكتب: أفريقيا لم تعد ملفا خارجيا.. إنها قلب المعادلة المصرية
لعل من أعقد أمراض التفكير السياسي في منطقتنا ذلك الميل المزمن إلى حشر الجغرافيا في أضيق زواياها والتعامل مع الأقدار المصيرية كما لو كانت قضايا ترف نناقشها متى فرغنا من همومنا أو ملفات طارئة نستدعيها فقط حين يطرق بابنا بقوة. لسنوات طويلة تعاملت نخبنا مع أفريقيا على أنها أرض بعيدة وراء السد مساحة مجهولة نتذكرها في بطولات كرة القدم أو نتغنى بروابطها في خطب المناسبات الرسمية بنبرة تعود لزمن التحرر الوطني ثم نغلق الملف وندير ظهورنا عائدين إلى الانشغال بشرقنا القريب وبحرنا المتوسطي.. غير أن العالم من حولنا تغير وتغيرت معه كل قواعد اللعبة واليقين الذي يجب أن يستقر اليوم في الوعي الجمعي المصري قبل دوائر صنع القرار هو أن القارة السمراء لم تعد مجرد ملف في وزارة الخارجية ولا ساحة للاستعراض الدبلوماسي أو التضامن الوجداني البارد بل هي أصل الوجود والعمق الذي يُصنع فيه مستقبلنا المائي والغذائي والأمني والاقتصادي للعقود القادمة بلا أدنى مبالغة إن مصر بطبيعة تكوينها الأزلي هبة لرحلة ماء بدأت في قلب القارة قبل أن تلامس دلتاها. لم تكن المسألة يوما خيارا سياسيا يمكن التراجع عنه نهر النيل ليس مجرد شريان عذب بل هو حبل مشيمة جغرافي واستراتيجي يربط مصيرنا بالأحراش والهضاب التي تفور اليوم بالحركة والنمو والصراعات. وحين نرى العالم يتسابق شرقا وغربا لزرع أقدامه في شرق القارة وغربها وبناء الموانئ والسيطرة على خطوط الإمداد وتمويل السدود وشبكات الطرق، يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: كيف لبلد بحجم مصر وتاريخها أن يتعامل مع حديقته الخلفية وبيت عمقه بمجرد ردود أفعال متأخرة أو حسابات قصيرة الأجل؟ إن أفريقيا اليوم ليست تلك القارة البائسة المكبّلة بصور المجاعات والنزاعات القبلية كما تصدرها شاشات الغرب لتبرير وصايته التاريخية أفريقيا اليوم هي الأرض البكر الأكثر حيوية على هذا الكوكب شابة بسكانها زاخرة بثرواتها التعدينية النادرة غنية بملايين الأفدنة الصالحة لتأمين سلال الغذاء لعالم يوشك أن يختنق. هي سوق المليار ونصف المليار إنسان والمسرح الدولي الأبرز الذي يتشكل فيه نظام عالمي متعدد الأقطاب تتنافس فيه بكين وواشنطن وموسكو وعواصم إقليمية عديدة لا بدافع الكرم أو العاطفة بل بدافع المصالح الخشنة والأرباح الاستراتيجية الملموسة.
في هذا المشهد المتلاطم لا مجال لمن يجلس في مقاعد المتفرجين. إن أمن البحر الأحمر، وقضايا القرن الأفريقي ومصير دول الجوار المباشر المشتعلة وتأمين تدفقات النيل كلها خطوط اتصال حية تمس الأمن القومي المصري في مقتله. لم يعد كافيا أن نُذكر الأفارقة بما قدمته القاهرة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي فتاريخ التضامن رصيد نبيل يبنى عليه لكنه لا يغني عن حسابات الحاضر. لغة اليوم لا تفهم إلا الشراكة، والاستثمار المشترك والتبادل التجاري ونقل الخبرات الصناعية والطبية والزراعية وربط المصالح الاقتصادية بالبنية التحتية حتى تصبح كلفة الإضرار بمصر باهظة على من يفكر فيها، وفائدة التعاون معها أكبر من أن تتجاهل وهذا يقودنا إلى التحول الأهم: إعادة بناء الرؤية النفسية والثقافية المصرية تجاه القارة. فنحن في حاجة ملحة إلى إزالة ترسبات عقود من الاستعلاء غير المبرر أو التجاهل السطحي. الطالب الأفريقي الذي يأتي ليتعلم في الأزهر أو الجامعات المصرية يجب أن يرى في شوارعنا عمقا حقيقيًا وأخوة قائمة على الاحترام والشراكة والتاجر المصري يجب أن يرى في نيروبي ولاغوس ودار السلام وأديس أبابا أسواقا واعدة لا تقل أهمية عن عواصم الخليج وأوروبا. إن القوة الناعمة ليست أغاني تبث في الإذاعة بل هي طبيب مصري يُعالج في مستشفى بأدغال القارة ومهندس يبني محطة كهرباء تنير قرية منسية.وشركة مقاولات تنفذ طريقا يربط العواصم ببعضها وجسر أكاديمي وثقافي لا ينقطع إن الأزمات الكبرى التي مرت بها مصر في السنوات الأخيرة وعلى رأسها ملف المياه والاضطرابات التي تعصف بحزام الجوار الجغرافي جاءت لتوقظنا بحزم على حقيقة بديهية أهملناها طويلا: لا حماية للمصالح المصرية في العالم إن لم تكن مؤمنة ومترسخة أولا في عمقها القاري. فالانكفاء على الداخل وهم والرهان على ما وراء البحار وحدها مغامرة غير مأمونة العواقب في عالم متقلب التحالفات إن مصر وأفريقيا ليسا طرفين في علاقة جوار اضطرارية بل هما وجهان لحقيقة جغرافية وسياسية واحدة. والذين يظنون أن الاهتمام بأفريقيا عبء يثقل كاهلنا يخطئون قراءة التاريخ بقدر ما يجهلون المستقبل فكل جنيه يُستثمر في مشروع ربط بري أو نهري وكل مساحة تفاهم تُبنى مع قيادة وشعب في القارة وكل جهد يُبذل لتثبيت الاستقرار في محيطنا هو في حقيقته استثمار مباشر في استقرار بيوتنا وأمن أبنائنا لقد طوت أفريقيا صفحة السكون إلى غير رجعة وعقارب الساعة تدور فيها بأسرع مما يتصور كثيرون. ومصر بما تملكه من إرث وقدرات وموقع استثنائي مدعوة لأن تملأ فراغها الطبيعي لا كقوة تطمع أو تتسلط بل كشريك يحمل مشروعا تنمويا حقيقيا يرى في نهوض جيرانه ضمانة لنهوضه هو. ففي عالم لا يحترم إلا التكتلات الصلبة ستظل أفريقيا هي المظلة الكبرى والأفق الأوسع الذي إن خسرناه خسرنا معه مفتاح الغد وإن ملكنا زمامه بحكمة وجسارة ضمنا لمصر مكانتها اللائقة بين الكبار.












لـ27 أكتوبر.. تأجيل نظر دعوى زينة ضد أحمد عز بشأن متجمد أجر...
شاب يقتل مسنة ويشعل النار في مسكنها ويقفز من الشقة بمصر القديمة
مصرع سيدة سقطت من أعلى عقار سكنى في التجمع
اليوم..أولى جلسات استئناف حكم إعدام متهم بخطف فتاة من ذوي الإعاقة
أسعار الذهب اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026.. وعيار 21 بـ6340 جنيهًا
سعر الذهب اليوم في مصر الاثنين 14 سبتمبر 2026.. عيار 21 يسجل...
سعر الدولار اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 فى مصر
أسعار العملات الأجنبية اليوم الجمعة فى مواجهة الجنيه المصري